على مدى أكثر من شهرين تقريبًا قيل كلام كثير، ولم يكد يمرّ يوم من دون أن يتحفنا مرشحو النسبية، الجدد منهم والقدامى، بآرائهم وتنظيراتهم ومواقفهم، حتى أن البعض منهم تجاوز حدود اللياقة والأدبيات ووصلت الأمور معهم إلى حافة التجريح والتطاول وفبركة "الكومبينات" وتزوير الحقائق وتصويرها على غير حقيقتها، مستخدمين كل أنواع الأسلحة المحظورة، والتي لم تكن تستخدم في الماضي، حتى ولو كانت الخصومات بينهم تصل في بعض الاحيان إلى السقوف العالية.
فالشواهد في هذا المجال كثيرة، خصوصًا بين الزعامات السياسية التاريخية. ولعل القول الذي لا يزال يردد في الجبل "ما بين كميل وكمال" (الرئيس كميل شمعون والزعيم كمال جنبلاط) ، خير مثال على لغة التخاطب التي كانت سائدة آنذاك، على رغم حدّة المواقف السياسية المتباعدة بينهما، وعلى رغم حساسية وخصوصية المعارك الإنتخابية في منطقة الشوف، لم تصل الأمور بينهما وبين غيرهما من سياسيي الزمن الجميل إلى المستوى الذي بلغته مواقف بعضٍ من سياسيي آخر الزمن، الذين لجأوا إلى أساليب نبش القبور والتصويب بالشخصي في اتجاه منافسيهم في الإنتخابات، حتى أن البعض ساق إتهامات خطيرة في حق الآخرين، من دون أن تكون لديه وثائق تثبت إدعاءاته.
وما ساعد على تأجيج هذه الحملات أنها خيضت عبر وسائل التواصل الإجتماعي، التي أصبحت صفحاتها مفتوحة لكل أنواع الشتائم والإتهامات الباطلة التي تطال الناس بكراماتهم وسمعتهم، وذلك من دون وازع من ضمير أو حسّ بالمسؤولية، وذلك من أجل تحصيل حاصل من هنا وصت تفضيلي من هناك، فباتت الضرورات تبيح المحظورات.
بعد شهرين وأكثر لم يترك هؤلاء المرشحون وسيلة إلاّ وأستغلوها من أجل إيصال صوتهم إلى أكبر شريحة من الناخبين، الذين أصابهم القرف ولم يعودوا متحمسين ليتحولوا من ناخبين طبيعيين إلى مقترعين يُحسب لصوتهم ألف حساب، وذلك لأن أغلبيتهم لم يسمعوا الكلام الذي كان يٌفترض أن يسمعوه، ولم تطرح عليهم أغلبية المرشحين برامجهم الواضحة والشفافة والقابلة للتطبيق عمليًا وغير الخاضعة للمزايدات في أسواق النخاسة.
وقبل إقفال حنفية التصريحات إستعدادًا لليوم الكبير كان لبعض المرشحين سيل من المواقف العالية السقوف، موجهين إتهاماتهم في كل إتجاه، ولم يسلم من لسانهم لا خصم ولا صديق ولا حليف ولا حليف الحليف.
وهذا الدفق من التصريحات و"النتعات" ذكرّني بمسلسلات إعلان وقف إطلاق النار إبان الحرب المشؤومة، حيث كان يلجأ المتقاتلون، وقبل دقائق من ساعة الصفر، إلى إفراغ ما في جعبهم من رصاص وما في مخازنهم من قذائف يطلقونها عشوائيًا نحو مناطق المواجهة، فكانت تصيب في آخر دقائق ما قبل الهدنة العشرات من المواطنين، الذين كانوا يسقطون ضحايا قصف الدقائق الأخيرة.
فأيًّا تكن المواقف التي أطلقت في الشهرين الماضيين حتى آخر دقيقة قبل الصمت الإنتخابي لن تغيّر شيئًا في قناعات الناس، الذين سيتوجهون غدًا إلى صناديق الإقتراع والتصويت وفق ما يرونه صحيحًا، ووفق قناعات راسخة أو وفق أهوائهم السياسية، على أن يكون السابع من أيار يومًا جديدًا في الحياة السياسية اللبنانية، وإن كان البعض لا يزال يشكك في إمكانية التغيير في الذهنية القائمة بين ليلة وضحاها.