بانتهاء يوم 6 أيار طويت صفحة الانتخابات النيابية لعام 2018، على أن يحمل تاريخ 7 أيار لقب "صاحب السعادة" لـ 75 نائباً جديداً سيدخلون البرلمان إلى جانب 53 حافظوا على عضويتهم، من دون أن تعني هذه النتيجة، المتوقعة في أجزاء كبيرة منها، أنها "الحدث"، فالحدث أمس، تجسد في ملامح أخرى، يمكن تسجيل ملاحظات تقويمية حولها.
وبانتظار صدور النتائج الرسمية وتحليل توزّع الأصوات في الدوائر والأقضية، يمكن القول إن من أبرز ملامح اليوم الانتخابي هو الإحجام السني الكبير عن التصويت في الدوائر التي يكون فيها صوته، عادة، مرجّحاً وصانعاً لشرعية التمثيل الوطني من الباب السني، وهو ما يستدعي قراءة وتحليلاً، كخطوة أولى، وعملاً مستقبلياً كخطوة تالية.
في الأرقام
والإحجام هنا ليس بمعنى الحسابات الرقمية لمن ربح ومن خسر، ومن خرج من الاستحقاق بكتلة أو نصف كتلة أو بدون أي مقعد، وتالياً لا يقصد به تقلّص كتلة تيار "المستقبل" (وهو أمر كان متوقعاً لأسباب عديدة)، أو نيل الرئيس نجيب ميقاتي أعلى حاصل سني في طرابلس (ولبنان أيضاً)، ولا خروج "الجماعة الاسلامية" أو دخول فيصل كرامي وأسامة سعد وعبد الرحيم مراد وفؤاد مخزومي و"الأحباش"، مع ما يعنيه كل ذلك من دلالات مباشرة على الحالة السنية ككل، بل المقصود تراجع الكتلة السنية التاريخية بفئاتها الاجتماعية والمناطقية عن المشاركة الفاعلة والمؤثرة في اختيار ممثلي الطائفة بما يشبه الاستنكاف أو "الصمت الانتخابي" وتسجيل موقف جمعي سلبي من الاستحقاق النيابي، فنسب الاقتراع في أقضية ودوائر: عكار (49.1%)، طرابلس المنية الضنية (49.75%)، بيروت الثانية (41.25%)، البقاع الغربي (47.5%)، زحلة (49.1%)، مقارنة مع استحقاقي 2005 و2009، ومقارنة بسقف الخطاب الانتخابي عشية الاستحقاق، تَشي بأن ثمة خللاً في المزاج السني العام وخللاً في الأداء السياسي انعكس مشاركة خجولة ويجب التوقف عنده، أسباباً وتداعيات ونتائج، بصرف النظر عن النتائج المباشرة للانتخابات لناحية التموضع السياسي ضمن الكتل والاتجاهات في لبنان.
في الأرقام بلغت نسبة المشاركة على المستوى الوطني 49.2%، في أول انتخابات تجري بعد تسع سنوات على انتخاب آخر مجلس نيابي، ولم تنفع كل حملات التجييش والاستقطاب لحث الناخبين على المشاركة، فجاءت النتائج صادمة للسياسيين والمرشحين والأحزاب جميعاً، وهذا يؤكد أن الاستنكاف ليس سنياً فحسب، بل جزء من النفور والاعتراض العام، وإن كل للشق السني منه دلالات معبّرة.
في الأسباب
يمكن القول أن ثمة رفضاً عاماً – وليس سنياً – لقانون الانتخاب الذي فصّل على قياس أطراف وأشخاص، فلا هو نسبي ولا أكثري، وتضمن تعقيدات عكسها العدد الكبير للأوراق الملغاة التي كشفت أن ناخبين كثراً لم يفهموه وأن السلطة لم تقم بواجبها في شرحه وتوضيحه.
وفي الأسباب أيضاً، أن الناخبين في دوائر عديدة لم يكونوا مقتنعين بالتحالفات الانتخابية، وهم اعتبروا أن ما جمع اللوائح ليس سوى مصالح آنية على حساب القضايا والمشروع السياسي، وكل ذلك انعكس تشتتاً للأصوات أو مقاطعة للتصويت، خصوصاً مع غياب البدائل المقنعة في دوائر كثيرة.
في الدلالات كذلك أن الناس ملّت خطاب الوعود الذي يظهر فجأة عشية الاستحقاقات، ويتعامل مع الناس كأدوات يمكن توجيهها بحسب الحاجة، وسئمت من إسقاط مرشحين لا يعكسون طموحاتهم، لكن وبسبب من القانون الهجين المعتمد، وخصوصاً ثغرة الصوت التفضيلي، لم يتمكن الناخبون الذين قرروا المشاركة وعدم المقاطعة من تجسيد خياراتهم بشكل يعكس موقفهم بشكل دقيق.. ولا يستبعد أن يكون هذا الأمر أحد غايات السلطة الكامنة من وراء هذا القانون.
وقد يكون من أخطر دلالات الإحجام عن التصويت، يأس الناس من إمكانية التغيير وفق الآليات الدستورية والديموقراطية البديهية، وهم لذلك يمّموا شطر المقاطعة، فيما انزلق بعض البسطاء إلى محظور تحويل الانتخاب إلى سوق مساومة يحضر فيها البيع والشراء.
المطلوب على المستوى الوطني، لا السني فحسب، إعادة الحيوية للحياة السياسية والعملية الديموقراطية من خلال إخراجها من حسابات من هم في السلطة، وإطلاق ورشة كبرى تقدم طروحات وقضايا سياسية، وتصنع وجوهاً وأفكاراً وآفاقاً جديدة. الآن الآن.. وحتى بلوغ الاستحقاق المقبل.