ما بين السادس من أيار، وقد أصبح وراءنا بما حمله من مفاجآت ونتائج، البعض منها كان متوقعًا والبعض الآخر جاء مخيّبًا لآمال كثيرين، الذين بنوا قصورًا في اسبانيا وسلخوا جلد الدب قبل إصطياده، وما بين العشرين منه تاريخ دخول ما يقارب نصف النواب إلى ساحة النجمة للمرة الأولى، أسبوعان من التقييم ومراجعة الحسابات ووضع النقاط على الحروف ورسم معالم المرحلة الجديدة بعد أن تصبح الحكومة الحالية حكومة تصريف اعمال.
وحتى حلول موعد الإستحقاق الحكومي تبدو الصورة ضبابية، خصوصًا لجهة تسمية الرئيس العتيد للحكومة الآتية في ضوء ما ستسفر عنه الإتصالات التي بدأت من تحت الطاولة بين الأطراف المؤثرة نتيجة ما أفرزته الإنتخابات النسبية من نتائج وما حققه كل طرف من إنتصارات من حيث عدد النواب ومن حيث تحديد الأحجام، مع الأخذ في الإعتبار ما سيسفر عنه إنسحاب الولايات المتحدة الأميركية من الإتفاق النووي من تداعيات إقليمية قد لا تكون الساحة اللبنانية في منأى عنها.
وفي إنتظار جلاء الصورة، وعلى وقع الحوادث الأمنية المتنقلة، من الأشرفية وعائشة بكار وصولًا إلى الشويفات، تأتي دعوة رئيس الجمهورية لإحياء طاولة الحوار، ومن بين أهمّ ملفاتها البحث في الإستراتيجية الدفاعية، بعد أن تكون ملامح الحكومة الجديدة بدأت تتبلور، وإن كان البعض يرى أن ولادتها ستكون عسيرة وتحتاج إلى مجهود غير عادي لنزع الألغام الموضوعة في طريقها، بعدما حدّد كل طرف مسبقًا سقوف مطالبه.
وقبل هذا وذاك تبقى لعبة شدّ الحبال قائمة لتسمية الشخصية التي سيوكل إليها مهمة تشكيل الحكومة الثانية من العهد، من ضمن التوازنات القائمة، وفي ضوء الإستنتاجات التي أسفرت عنها إنتخابات السادس من أيار، وتراجع حصة تيار "المستقبل" النيابية، التي أصبحت محل أخذ وردّ في كواليس طباخّي الحكومات، وفي ضوء ما سترسو عليه التحالفات المستقبلية، بعد أفول نجم كل من 8 و14 آذار، وبعدما أصبح "حزب الله" وتحالفاته الجانبية لاعبًا أساسيًا في المعادلة الداخلية.
وبغض النظر عمن ستسمي التوافقات السياسية لترؤس الحكومة العتيدة فإن ثمة عراقيل موضوعة أمام تشكيل الحكومة، وهي عراقيل قديمة – جديدة، تتمثل بوزارتي المال والطاقة أولًا، وبجعل وزارة الخارجية والمغتربين وزارتين، واحدة للخارجية والثانية للمغتربين ثانيًا، خصوصًا أن الرئيس نبيه بري يعتبر وزارة من حق الطائفة الشيعية، وهذا ما ورد في إتفاق الدوحة. أما وزارة الطاقة فيتمسّك بها "التيار الوطني الحر" لإستكمال ما بدأ به فيها من مشاريع، وإن كانت "القوات" ستطالب بها... "وعندها سيكون عندنا كهرباء 24 على 24"، فضلًا عن جدلية ثلاثية "الشعب والجيش والمقاومة"، وما إذا كان "حزب الله" سيصّر على إدراجها في البيان الوزاري.
إلاّ أن البعض الآخر يرى أن تشكيل الحكومة، بعد الإتفاق على إسم رئيسها، لن يكون متعثرًا، خصوصًا أن رئيس الجمهورية مصمّم على تذليل كل العقبات من أمامها، بعد أن يكون قد مهدّ لمصالحات جانبية من شأنها أن تفتح الطريق واسعة أمام إدخال البلاد في مرحلة جديدة لتفعيل مؤتمر "سيدر" بما يقود إلى إنعاش الحركة الإقتصادية وتشجيع الإستثمارات المشتركة بين القطاعين العام والخاص.
وهذه الحركة المنتظرة، التي تبقى من ضمن الآمال والتمنيات، سيكون محركّها الأساسي، وفق المعطيات المتوافرة، تعزيز الأمن في مختلف المناطق وإعطاء القوى الأمنية غطاء غير محدود لضبط الوضع والحؤول دون تنفيذ مخططات الذين لا يزالون يتربصون بالساحة الداخلية شرًّا، والعمل بجدية على فصل هذه الساحة عن التأثيرات الخارجية، أيًّا تكن أحجامها وقوة ضغطها ونفوذها.