على حدّ علمي لم يكن يوم كانت المؤسسات مؤسسات بكل ما للكلمة من معنى، ولو بنسب متفاوتة، هذا الحديث الذي بدأنا نسمعه منذ فترة عن وزارات سيادية وأخرى خدماتية ووزارات تندرج في خانة الوزارات العادية، أو بالعربي الدارج "تيرسو"، وهي بالمفهوم السطحي للكلمة غير "مدهنة" ولا تؤّمن خدمات إنتخابية ولا توفر لهذا الحزب أو لذاك التيار ما يمكن "تقريشه" في سوق المزايدات الشعبية، حتى يُخيّل للمرء أن الوزارات التي لا تدخل في حسابات "الكبار"، من ضمن حصص طوائفية، هي وزارات بزيت فيما الوزارات الدسمة هي بسمنة، وهي بالتحديد المالية والخارجية والداخلية والدفاع والعدل، بإعتبارها سيادية. أما الوزارات الخدماتية فتأتي وزارة الأشغال العامة والنقل في الطليعة ، تليها الشؤون الإجتماعية فوزارة الطاقة والصحة، التي تتأرجح بين "السيادية" و"الخدماتية" ووزارتا الإتصالات والزراعة، فتتدرج الأمور نزولًا إلى الوزارات الأقل أهمية بالنسبة إلى البعض.
والغريب في الموضوع أنه في زمن الوصاية، التي لا يتمنى أحد عودتها، لم تكن مشكلة تشكيل الحكومات تستلزم كل هذا الوقت الذي بات يتطلبه هذا الأمر في زمن المحاصصات والتفتيش عن الوزارات "الحرزانة"، بعدما أصبح كل فريق يحاول شدّ اللحاف إلى صدره لتأمين أفضل تغطية له لدى قاعدته الشعبية وتأمين الخدمات الحصرية لها بعيدًا عن شمولية هذه الخدمات التي هي حق طبيعي لجميع المواطنين من دون تفرقة أو تمييز، وهذا ما كفله الدستور، الذي يتغّنى الجميع بالمحافظة عليه والعمل بموجبه وبروحيته.
وقياسًا عليه، نرى جميع الأفرقاء يضعون شروطًا مسبقة لتسهيل عملية تشكيل الحكومة كمثل إصرارهم على تسّلم بعض الحقائب التي يتسابق الجميع عليها من أجل الحصول عليها، وذلك بهدف الإفادة من حجم خدماتها، التي من شأن الإستثمار فيها حصر "خيراتها" بـ "جماعتهم"، وكأنها أصبحت تشبه "البقرة الحلوب" التي يجب الإفادة مما تدرّه إلى أقصى الحدود، من دون الأخذ في الإعتبار مصالح الناس الذين لا ينتمون إلى الجهة التي سمّت فلانًا وزيرًا على هذه الوزارة أو تلك.
فإذا كان ما نقوله فيه شيء من التجني والمبالغة فلماذا إذَا هذا التسابق على الوزارات المسماة "سيادية" أو "خدماتية"، وإذا كان الهدف من التوزير هو الخدمة العامة، وهذا ما تعنيه كلمة "وزير"، فلماذا نرى معظم الفرقاء "يستميتون" من أجل الوصول إلى "وزارة مدهنة"، كما تقول فيروز في إحدى مسرحيات الأخوين رحباني؟
فهذا الأمر وإن دلّ إلى شيء فإلى المستوى الذي بلغته الحياة السياسية في لبنان، وهو نتيجة تخلي الجميع تقريبًا عن قدسية الدستور وضرورة الحفاظ عليه حتى في أبسط الأمور من أجل أن تعمل المؤسسات وفق نظرية أن جميع المواطنين متساوون بالحقوق والواجبات وبحقهم بالحصول على الخدمات الطبيعية من دون حاجتهم إلى أسترضاء هذا الزعيم أو ذاك السياسي، الذين ركزّوا في حملاتهم الإنتخابية على حق المواطن، أيًّا يكن إنتماؤه السياسي، بالحصول على خدمات الوزارات المساة "خدماتية".
بالمختصر المفيد نعتقد، ولو في إعتقادنا بعض من سذاجة، أن كل الوزارات هي مهمة بقدر ما يكون الوزير الموكلة إليه مهمة إدارتها وتسيير شؤونها مهمًّا وناجحًا. فالمطلوب إذًا من كل القوى السياسية أن تسمّي وزراء من خيرة شبابها، فتكون عندها كل الوزارات سيادية وخدماتية، ولا يعود المواطنون مصنّفين شي بـ"زيت" وشي بـ"سمنة".