كتبت إيناس شري في "المدن": نوبات خوف، قلق غير مبرر، سهر طوال الليل وقضاء ساعات على الهواتف أو الأجهزة اللوحية، وشوم غريبة وأسئلة حول الإنتحار.. هذا ما لاحظه ذوو أطفال أو مراهقين أقبلوا على الإنتحار في بلدان مختلفة وقيل إن لعبة "تحدي الحوت الأزرق" كانت السبب.
قبل أيام، حدث الأمر في لبنان، وشغل اللبنانيين بعدما كانوا يقرأون تلك القصص المفزعة باعتبارها بعيدة منهم. سقط ليث أشرم (16 عاماً) من شرفة منزله في الطبقة الرابعة من أحد أبنية بيروت، وعائلته تتحدث عن احتمال انتحار وعن تغيرات ظهرت في سلوكه، منها تعلّق غير طبيعي بالهاتف، وسهر طوال الليل، والمشي على حافة الشرفة، وصولاً إلى السؤال عما إذا كان الانتحار جريمة يعاقب القانون مرتكبها في حال لم تنجح المحاولة، وفق ما نقلت وسائل إعلام. خبر ليث، وأخبار الإنتحار التي ارتبطت بلعبة "تحدي الحوت الأزرق"، تثير أسئلة علمية جدية بشأن كيفية سيطرة هذه اللعبة على المستخدم وإيصاله إلى الإنتحار، ومدى قدرتنا على السيطرة عليها تقنياً.
"الحوت الأزرق" ليس السبب المباشر
على الرغم من ربط "تحدي الحوت الأزرق" بانتحار عدد من الأطفال والمراهقين حول العالم، لا دليل علمياً اليوم على أن هذه اللعبة هي السبب المباشر للإنتحار. وهنا يقول أستاذ علم النفس التربوي في الجامعة اللبنانية، الدكتور بسّام سكريّة، إنه مما لا شك فيه أن هذا النوع من الألعاب يتحكم بالطفل أو المراهق وصولاً إلى التحدي الأخير، وهو تحدي الإنتحار، وأنه قد يكون هناك رابط بين اللعبة والإقدام على الإنتحار، إلا أنّ هذا الأمر لا ينفي وجود عناصر أخرى أساسية يجب التعامل معها قبل الحديث عن اللعبة بحد ذاتها، لا سيما أن انتحار المراهقين هو موضوع قائم بحد ذاته.
ويشرح سكريّة أنّه في حين يجب القلق من مخاطر هذه اللعبة، لا يمكن إلقاء اللوم عليها بالكامل، خصوصاً أنها تكون أكثر قدرة على التحكم بأطفال ومراهقين يعانون أصلاً مشاكل نفسية، أهمها التقدير السلبي للذات، والشعور بعدم الكفاءة، والرفض أو الإهمال من قبل المحيط، بدءاً من العائلة وصولاً إلى المدرسة. ويضيف أنه عندما يشعر الطفل أو المراهق بالإهمال أو بالرفض، يبحث عن إثبات الذات بطرق قد تكون واحدة منها قبول تحدي "الحوت الأزرق"، وكلما نجح في تحدٍّ، ارتفعت عنده جرعة الإحساس بإثبات الذات، ليشعر بأنه فرد له قيمه وأنه قادر وموجود، فيزداد تعلّقاً باللعبة.
ويضيف سكريّة أن عامل التحدي هو أساساً جزء من مرحلة المراهقة. فكلنا يعرف كيف يتحدى المراهقون بعضهم البعض في أمور صغيرة، لذلك تسهل السيطرة عليهم من قبل القيمين على لعبة "الحوت الأزرق"، خصوصاً إذا كانوا يعانون مشاكل نفسية.
ويرى سكرية أن المراهقين والأطفال الذين يفتقدون الإهتمام في المنزل، أو يتعرضون للتنمر في محيطهم، لا سيما في المدرسة، أو يتعرضون للتحرش الجنسي، قد يهربون من عالمهم الحقيقي إلى العالم الإفتراضي، ظنّاً منهم بأنّ هذا العالم هو أكثر أماناً، وهنا قد يصطادهم القيمون على "الحوت الأزرق"، مضيفاً أنه عندما يشعر الطفل أو المراهق بالضعف نتيجة العوامل المذكورة، يأتي تحدي "الحوت الأزرق" فيشعره بأنه قوي.
الإنتحار لا يأتي فجأة
عندما نقرأ قصص مَن رُبط انتحارهم (أو محاولة الانتحار)، بلعبة "تحدي الحوت الأزرق"، نلاحظ كيف أعطى هؤلاء مسبقاً، إشارات معينة لم تصل ربما إلى محيطهم. وفي هذا الصدد، يقول سكريّة أن الانتحار لا يأتي فجأة، أي أن الطفل أو المراهق، وقبل إقدامه على الإنتحار، يعطي إشارات يجب التنبه لها ومعالجتها، وأهمها تغيّر الروتين اليومي للطفل أو المراهق، وفقدان الإهتمام بأنشطة كانت محط اهتمامه من قبل، إضافة إلى نوبات غضب أو بكاء غير مبرّرة مترافقة مع صعوبات في النوم وربما مشاكل في الشهية.
وفي هذا الإطار، يقول أيمن صلاح، الصحافي المتخصص في المجال التقني ووسائل التواصل الإجتماعي، إن المعلومات التي ينشرها المستخدم نفسه في الصفحات الخاصة به في وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن أن تشكل قاعدة بيانات يختار القيمون على اللعبة من خلالها المستخدم الذي يمكن أن يكون أكثر تقبلاً وتفاعلاً مع هذا النوع من الألعاب. فكما تُستغل هذه البيانات في مجال السياسة والانتخابات، كذلك في مجال التسويق والإعلانات يمكن استغلالها لنشر لعبة معينة.
(المدن)