كتب المفكر والإعلامي والديبلوماسي الراحل واجد دوماني في العديد من الصحف والمجلات، وأغنى صفحاتها بما كتب عن الفكر والأدب والثقافة والإعلام والسياسة والصحة والإنسان وشؤون الحياة، بأسلوب يعتمد العمق والبساطة والسلاسة والأناقة في آن، وينبع من غنى الثقافة وغزارة الإطلاع وعمق التجارب. بعض مقالاته يعود إلى الستينيات، ومع ذلك فإنّ القارىء يتفاعل معها وكأنها كتبت اليوم، ولقد اختار"لبنان 24" إعادة نشر هذا المقال، وعنوانه: "ابحث عن حلم وردي!"
كتب إليّ يقول: "أن يحلم الإنسان فتلك نعمة من نعم السماء.. وأن يتحقق هذا الحلم أو بعضه فتلك السعادة أو بعضها الذي نريد..
حدث ذلك في يوم ربيعي كان القدر وحده قد قرر أن يحقق لي هذا الإنجاز العاطفي الكبير. ومتى يقرر القدر أمراً فإن كل الإرادات والقرارات الأخرى تسقط وتلغى.. لقد انتهى تطوافي وتجوالي إلى مكان.. والمكان يعني الجغرافيا والجغرافيا هي التي تصنع التاريخ.. إنها تصنع تاريخ المحبين، وتحقق لهم أحلامهم الوردية.. وقد اكتشفت يا أخي أن العامل الجغرافي له وزن في تحديد كثير من الأمور، أو ضبط كثير من المواقف.. وقد كان المكان سبباً في ولادة ذلك الحلم الوردي الجميل... بل ذلك الحب الكبير.
إني ما أزال أذكر تلك اللحظات الحلوة، وكلما أقف على صفحة منها تنتابني رجفة، وتعتريني هزة، كالهزة التي وصفها شاعرنا المعري بقوله:
وإني لتعروني لذكراك هزة
كما انتفض العصفور بلله القطر
أوليست هذه الصور، بل كل الصور التي تغشي عيني الإنسان هي من صنع غرفة العمليات (المخ) وهي الغرفة الرهيبة التي تصدر كل الصور وتوزعها بمختلف الأشكال والأحجام ثم تنسج لها خيوطاً زاهية من الأحلام الحلوة...
ثم نتابع الرسالة قائلة: في لحظة من لحظات الإشراقة العاطفية ينسلخ المحب من مكانه وزمانه، ويتحد بالذات.. بذات الحبيبة فيعانقها، وينصهر فيها، ويندمج معها فتنطلق منها لوحات تنطق بطموحاته، وتتحدث عن أحلامه وإذا بهذا الإنسان الذي يشكو السأم، ويصرخ من الملل، يحس بانحسار خفافيش اليأس، واندحار جرثومة الغجر.. فإذا بالحياة تبدو له أكثر بهجة، لقد عانق الحلم الوردي، وضمه إلى صدره، وأخذت تنهدات دافئة تصدر من مسايل أحاسيسه، ومسارب مشارعه ممزوجة بآهات صامتة تدغدغ نفسه فيشعر براحة واسترخاء لا أحلى ولا أمتع.. وبعد"!
لقد انتهت رسالة الصديق ذات النكهة الوردية، وقد عبّر من خلالها عن تجربة عاطفية اعترضت مسيرته ذات يوم، وفي مكان ما! وكان هذا المكان ذلك العامل "الجغرافي" الذي توفر في أجوائه نسائم داعبت أطيافه ودغدغت خياشيمه، وهدهدت أنفاسه، فانصهرت روحه في الذات الأخرى.. ذات الحبيبة فغفا على صدرها، ونام ملء جفنيه، وملائكة الحب تحف به من كل جانب، إنها قصة لحظات رومانسية يحتاج إليها الإنسان أحياناً ليطرد.. ما صدئ في نفسه من سأم وملل.
فإلى لحظات الرومانسية يا ناس!! تنعموا بأحلام وردية...