أقفل الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري النقاش حول الصيغة المقترحة للحكومة العتيدة، متوجهًا الى السعودية في رحلة تستغرق أياما عدة، تاركًا أبواب الجدال السياسي مشرعة في بيروت في ظل شراهة مفتوحة عند مختلف الاطراف تجاه الحصول على مقاعد في حكومة من المفترض أن يكون عمرها مديداً، وقد يمتد لأربع سنوات كاملة.
الحديث كثير عن صيغ متداولة، منها ما يتصل بالاحجام والاوزان التي أفرزتها صناديق الاقتراع بعد إنقطاع 9 سنوات، ومنها ما هو متصل بالحسابات بالاستحقاقات المقبلة وكيفية التموضع داخل السلطة، ولعل أبرز العقد هي حصة القوات اللبنانية المعطوفة من صراع دائر بين القوات والتيار الوطني الحر الذي إستعان بحصة رئيس الجمهورية لاضعاف تمثيل القوات حكوميا، غير أن وضعية القوات في الحكومة العتيدة لها أبعاد أإقليمية وخارج منطق خلافات الحقل والبيدر في لبنان، ومن المفترض رصد نتائج زيارة الحريري الى الرياض وسط اجواء عن رفض سعودي مطلق تشكيل حكومة دون القوات اللبنانية، وهذه حقيقة يدركها الحريري شخصيا قبل غيره ويتعامل معها بجدية مطلقة.
السؤال البديهي وسط هذه الاجواء، هل يقبل تكتل "لبنان القوي" مبدأ المشاركة مع "القوات اللبنانية" وربما مع أطراف أخرى وبالتالي هل تشكلت قناعة عند الوزير جبران باسيل شخصيا بأنه لم يعد الطرف المسيحي الأقوى الذي يملك 80 % من التمثيل المسيحي وبأن الاحزاب الاخرى من الكتائب الى المردة والمستقلين يحسب لهم الحساب في أي تركيبة حكومية، هذا فضلا عن أفكار جدية قيد التداول لتوزيع حصة رئيس الجمهورية على كتل نيابية إذا كان الشعار المرفوع حكومة جامعة وتضم الجميع.
لا تخفف عقدة تمثيل القوات من عقبات أخرى تعترض الحريري، فإفرازات الانتخابات النيابية تتطلب قدرات إستثنائية لاجل تشكيل حكومة قابلة للحياة من حيث الحفاظ على شروط التضامن بين مكوناتها، في هذا الاطار يصارع الزعيم الدرزي وليد جنبلاط للحفاظ على حصر التمثيل الوزاري الدرزي وقطع الطريق على الأمير طلال إرسلان مع ما يعني ذلك من عوامل مساعدة لتيمور جنبلاط على إحكام القبضة على الزعامة الدرزية كعامل مصيري لا يمكن التهاون فيه، كما ما يسمى كتلة النواب السنة المناوئة لتيار المستقبل والتي ينقصها الإطار الجامع لتحصيل مقاعدها كونها موزعة على كتل تضم مقاعد نيابية متنوعة من الصعب تفضيلها للوزارة طالما أن موقف الرئيس المكلف منذ البداية بعدم توزير اي نائب من سنة 8 آذار لاسباب تتصل بنفس الاعتبارات القائمة من توزير القوات اللبنانية.
هذه الاعتبارات تعد من باب "المراهقة السياسية" كون الوضع اللبناني لا يحتمل الخفة في ظل حدة الازمة الاقتصادية والمعيشية، من هنا برز موقف "كتلة الوسط المستقل" أثناء الاستشارات على لسان النائب جان عبيد الذي وضع أسس للتوزير قوامها الكفاءة والاستقامة كما المقدرة على التناغم للعمل ضمن فريق نيابي متجانس، والذي إستكمله مستشار الرئيس نجيب ميقاتي خلدون الشريف الذي اعتبر بأن "شروط تسهيل التشكيل تتطلب التواضع بالمطالب وخفض السقوف عند بعض الاطراف وتحديدا عند الفريق المسيحي".
الشريف شدد على ضرورة تمثيل طرابلس عبر كتلة "الوسط المستقل" كونها مثال لكتلة سياسية وطنية كونها تضم مختلف التلاوين للعاصمة الثانية، مضيفا بأنه "لا يوجد أي مبرر ان لا يكون للكتلة وزيرا في هذه الحكومة، والطبيعي أن يسمي الرئيس ميقاتي وزيرًا من نسيج مدينة طرابلس وخصوصا أنها تمثل الاطياف كافة".