قد تظهر المشاهد الاولية التي رافقت الاستشارات النيابية لتشكيل الحكومة أن أمر ولادتها مرهون فقط بتأمين التوافق على حجم التمثيل الوزاري التي تطالب به الكتل النيابية وتوزيع الحقائب فيها. إلا أنه بالعودة الى التسوية الذي علقت لبنان بحبلها، آخذة بقواه السياسية الى اجراء انتخابات نيابية في عملية انتحارية مدججة بقانون انتخاب جديد معروف النتائج، وصولاً الى التكليف الاخير لرئيس الحكومة سعد الحريري، فإنه يتضح بأن قالب حكومة العهد الجديدة لن يكون بعيداً عن مناخ هذه التسوية، كما لا يمكن فصله عن طبيعة التسليفات الخارجية التي استفادت منها بعض القوى الداخلية عند مواجهتها للمطبات التي اعترضت طريقها في الفترة السابقة.
من هنا يأتي تشكيل الحكومة الجديدة فرصة مناسبة لاسترداد الدين الخارجي من تلك القوى إما بالضغط عليها نحو تسريع تشكيل الحكومة أو المماطلة والعرقلة في محاولة لسند موقعها في الساحة الدولية والاقليمية، ولو ببحصة لبنانية.
لاشك في أن المناخ المرافق لازمات دول المنطقة يوحي بأن طبخة التسوية دخلت مرحلة العد العكسي وبدأت صورتها تتظهر، أقله لناحية "شكل" المسار الذي وضعت فيه. ففي اليمن تفيد المعطيات الى إحراز تقدم جيد في المحادثات بشأنها بين القوى الاوروبية وايران، التي أبدت استعدادها لانهاء الصراع فيها وتقديم خدماتها للاتصال بالحوثيين من أجل المضي قدماً نحو الحل. أما في العراق فيبدو أن النفوذ الايراني نحو مزيد من الضمور مع صعود التيار الصدري الذي افرزته الانتخابات الاخيرة في ظل دعوات ذات نفس عروبي مصحوبة برفض لاي تدخل خارجي جديد في الشأن العراقي. أما على صعيد تطورات الاوضاع في سوريا فخطوات طرد القوات الايرانية وحلفائها من سوريا بدأت، حيث نقلت تقارير صحفية عن قائد سلاح الجو السوري أن نظام الاسد بعث برسالة سرية الى طهران طالب فيها باغلاق منشآت ايران العسكرية في سوريا، هذا عدا عن التسريبات التي تناولت اتفاقات سرية بالتنسيق مع الجانب السوري لتأمين انسحاب ايران و"حزب الله" من الجنوب السوري لتحل محله قوات النظام السوري.
بالطبع، وفي قراءة متأنية لتلك التطورات يتضح أنها جميعها تصب في خانة واحدة وهي المطلب الاميركي بسحب طهران لعديدها من دول المنطقة كمقدمة للجلوس مجدداً على طاولة التفاوض النووي. ولكن ماذا عن لبنان والدور المقبل لحليف ايران "حزب الله " ولا سيما بعد الانتصار الانتخابي الذي احرزه ؟ّ
ما يمكن قوله في هذا الاطار بأن النفس الجديد لـ"حزب الله" يوحي باستراتيجية جديدة للحزب، ولكن هذه المرة في المقاومة السياسية بحيث قد يتخطى مداه حيز "الشريك" و"مبدأ الشراكة" الى ما هو أبعد من ذلك ليشمل التغلغل في البنى التحتية لكيان الدولة والرقابة على مفاصل الدولة مشرعاً ابواب مواجهة الفساد لكل من تسول نفسه الالتفاف على التفاهمات والتسويات التي نسجها معهم، غارفاً في آن من صحن القواعد الشعبية لباقي القوى السياسية من أجل تحصين اكبر لوجوده ودوره.
من هنا فإن شكل الحكومة المقبلة لن يكون سوى انعكاس لنتيجة المسار الذي بدأت تتبلور صورته على مستوى الازمات الخارجية، بما لذلك من انعكاسات على مستوى التعاطي الدولي مع الحكومة الجديدة خاصة في حال نجح "حزب الله" من تسجيل نقاط اضافية في مرمى الرئيس المكلف والقوى الحليفة له عندها سيكون "التفريز" الخارجي للواقع اللبناني سيد الموقف.