لا يزال البحث في الشأن الحكومي، يسير بشكل بطيء، وبوتيرة منخفضة، بانتظار عودة رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري من إجازته العائلية القصيرة في المملكة العربية السعودية، على وقع تسارع الأحداث الإقليمية المتوترة والتي ستشكل حتماً عاملاً ضاغطاً باتجاه تسريع ولادة الحكومة، أو عرقلتها، انطلاقاً من كيفية تعامل القوى السياسية اللبنانية معها.
في هذا الوقت، بدأ منسوب التوقّعات بتأخّرِ ولادةِ الحكومة إلى أمدٍ طويل يرتفع ويُحدث قلقاً في أوساط العهد ومخاوفَ مِن إنعكاس هذا التأخير سلباً عليه في حاضره والمستقبل، خصوصاً إذا صحّت هذه المخاوف وتأخّر التأليف الحكومي بضعة أشهر أو أكثر، كما حصَل مع حكومة الرئيس تمام سلام. ولكنْ تلافياً لذلك بَرز بحسب صحيفة "الجمهورية" اتّجاه لدى المعنيين بالتأليف لإلزام أنفسِهم بمدّة زمنية محدّدة وغير طويلة، حتى إذا انقضَت ولم تولد الحكومة يُصار إلى استشارات نيابية لإعادة تكليف جديدة من شأنها تعجيل التأليف، في ضوء رفعِ جميع الأفرقاء السياسيين سقوفَ مطالبهم من جهة، واستمرار الجدل حول حصول رئيسَي الجمهورية والحكومة على حصة وزارية، والشهيّة المفتوحة على الاستيزار من جهة ثانية.
وتتجه الأنظار الى "البيال" يوم الأحد المقبل، حيث يقيم تيار المستقبل افطاراً جامعاً يتخلله كلمة للرئيس الحريري، سيتطرق في خلالها حتماً الى الموضوع الحكومي، وستشكل انطلاقة أولية لعجلة التأليف.
غير ان مصادر أخرى، أكدت لـ"اللواء" ان مفاوضات التأليف لم تتوقف رغم غياب الرئيس الحريري عن البلاد، مشيرة في هذا السياق إلى اللقاء الثلاثي الذي انعقد بعيدا عن الأضواء في وزارة المال، وجمع الوزيرين علي حسن خليل (حركة امل) والدكتور غطاس خوري (المستقبل) والنائب وائل أبو فاعور (اللقاء الديمقراطي)، الا أي معلومات عن محصلة هذا اللقاء لم ترشح عن المجتمعين، سوى ان البحث تركز على موضوع الحصة الإسلامية في التركيبة الحكومية، مرجحة العودة إلى القاعدة التي استندت إليها عملية تأليف الحكومة المستقيلة بالنسبة لتوزيع الحصص على الكتل النيابية، بالرغم من تغير احجام بعض الكتل، معتبرة ان هذه القاعدة يُمكن ان تبقى على حالها، ولو تمت إضافة مقعد بالزائد أو حذف مقعد بالناقص.
وقالت مصادر متابعة للاتصالات بشان الحكومة في كتلة نيابية وازنة لـ"اللواء" ان اي شيء لم يتقرر بعد بخصوص شكل الحكومة ولا عدد اعضائها، وان البحث الجدي يبدأ بعد عودة الرئيس المكلف سعد الحريري من السعودية، لكنها اوضحت ان عدد اعضاء الحكومة يتحدد في ضوء مهمتها ودورها، فإن كانت تستدعي الظروف حكومة اقطاب ستكون مصغرة، وان كانت حكومة وفاق وطني ستكون موسعة اي ثلاثين عضوا، وهذا هو الخيار الارجح، لتمثيل كل الاطراف فيها "خاصة مع وجود السقوف العالية لبعض القوى السياسية، التي تحتاج وحدها الى حكومة كاملة".
واوضحت انه برغم التصورات والسيناريوهات المتداولة الا ان اي شيء لم يبحث ولم يتقرر بعد، ولم يتم البحث في اي امر تفصيلي له علاقة بعدد الوزراء ولا بتوزيع الحقائب. فالامر خاضع للاخذ والرد في عملية التفاوض. لكن الرغبة الاكيدة لدى الجميع هي تسهيل وتسريع تشكيل الحكومة للبدء في معالجة الازمات الكبيرة المتراكمة.
ومن جهتها، اعتبرت مصادر "حزب الله" لـ "اللواء" ان المشاورات حتى الساعة بالنسبة لتأليف الحكومة ما زالت شكلية، ولم يكشف أحد بعد عن كافة أوراقه، وما أعلن وسرب من مواقف يبقى مجرّد أفكار واقتراحات قابلة للأخذ والرد، لا سيما وان البحث لم يدخل بعد في تفاصيل موضوع التأليف حيث تكمن الشياطين.
واعتبرت مصادر الحزب ايضا ان تشكيل حكومة مصغرة أمر غير متاح في المرحلة الراهنة بسبب حجم مطالب الكتل، وصعوبة إرضاء كافة القوى الممثلة في المجلس، ولفتت إلى انها لا تبدي تفاؤلاً بإمكانية ولادة الحكومة في وقت سريع كما كان يشاع بأن تكون الحكومة عيدية الفطر السعيد، باعتبار ان هناك مشاورات طبيعية ستجري خلال الاسابيع المقبلة حيث يفترض ان يتواصل الرئيس المكلف مع الأطراف السياسية للتفاهم معها على الحقائب التي ستعطى لها، وهذا الأمر سيحتاج بطبيعة الحال إلى لقاءات واجتماعات مكثفة ليتم بعد ذلك اقتراح الأسماء والموافقة عليها، وهذا الموضوع يحتاج ايضا إلى مزيد من الوقت.
العقد لا تزال هي هي!
ومع مضي أسبوع على التكليف بشبه إجماع على الرئيس الحريري استقرت العقدة كأنها متاريس بوجه التأليف على النحو التالي:
1- عقدة تمثيل "القوات اللبنانية" بعدد من الوزراء المسيحيين يماثل عدد الوزراء من التيار الوطني الحر في صورة تستنسخ تفاهمات "الثنائي الشيعي".. وهو أمر يرفضه التيار الذي يرأسه جبران باسيل.
2- عقدة إصرار النائب السابق وليد جنبلاط على ان تكون كل حقائب الدروز من حصة اللقاء الديمقراطي، وهذا يسبب مشكلة مع النائب طلال أرسلان.
3- تمسك رئيس الجمهورية بحصة وزراء مفصولة عن تكتل لبنان القوي، الذي يتمسك تمثيل العلويين والسريان.
4- إصرار حزب الله على تمثيل السنّة الثمانية خارج كتلة "المستقبل" التي تطالب بحصة لتمثيل السنّي في داخلها، خلافاً لما يطالب به "حزب الله" بضرورة تمثيله بوزارة وازنة تهتم بالبقاع، مع تمثيل أحد حلفائه السنّة.
وإزاء هذا المشهد "الاسمنتي" على صعيد المطالب، لم تستبعد مصادر نيابية قريبة من مراكز القرار، عدم ترك الوضع على عواهنه، وتقديم تشكيلة أمر واقع، على نحو ما يريد رئيس الجمهورية والرئيس الحريري.
وفي هذا الاطار، أشارت المعلومات لـ"الديار" الى ان الحريري ابلغ رئيس الجمهورية ميشال عون انه ليس في وارد التخلي عن وزارة الداخلية في حكومة ستستمر لاربع سنوات مقبلة، خصوصا ان الرئيس بري متمسك بوزارة المالية ولا يقبل اي مساومة حولها، ولا يمكن ان تكون وزارة الخارجية تعويضا مناسبا في وقت يستطيع هو كرئيس حكومة تمثيل لبنان في المحافل الخارجية دون الحاجة لهذه الحقيبة، بينما يفضل الحريري ان يبقى مشرفا على الاجهزة الامنية وخصوصا فرع المعلومات الذي ترغب اطراف خارجية في ابقائه في "كنف" تيار المستقبل.
وفي هذا الاطار، تؤكد اوساط مطلعة لـ"الديار" ان رئيس تكتل لبنان القوي جبران باسيل بات في هذه الاجواء، وهو تبلغ وجود استحالة تامة في الحصول على تلك الحقيبتين، وهو يبحث الان عن تعويض مناسب على مستوى الحقائب وعدد الوزراء، مع العلم ان تلك المصادر ترجح قيام وزير الخارجية "بمناورة" سياسية لان من مصلحته راهنا البقاء في وزارة الخارجية كونها "منصة" لنسج علاقات دولية واقليمية تساعده على تعبيد الطريق امام وصوله الى الرئاسة الاولى مستقبلا.
وتلفت تلك الاوساط الى ان لا شيء جديد بعد على صعيد توزيع الحصص ولا حجم كل طرف فيها، واذا كانت اوساط "تكتل لبنان القوي" ترى مؤشرات تحمل نوايا سيئة باتجاه سحب «البساط» من حصة رئيس الجمهورية الحكومية، فإن مصادر وزارية بارزة تعتقد ان الحديث عن رغبة رئيس الحكومة بحصة مشابهة لحصة الرئيس غير جدية، لكن اجواء عين التينة بدأت تلقي بظلالها وتنعكس عدم ارتياح، بسبب مؤشرات توحي بتململ حيال هذا الامر، ومن الواضح ان الرئيس بري يجري حساباته بشأن هذا الامر وهو لن يسمح بأن يهيمن فريق سياسي لوحده على قرار الحكومة.
البيان الوزاري أبعد من المشي بين الحروف
وفي حين نفت مصادر وجود أي "فيتوات" دولية على مشاركة "حزب الله" في الحكومة، أكدت مصادر وزارية لـ"الشرق الأوسط"، أن تحذيرات غربية وجهت إلى عدد من المسؤولين اللبنانيين، ترسم خطاً أحمر فيما يتعلق بصيغة البيان الوزاري المتعلقة بـ"حق المواطنين في مقاومة الاحتلال والاعتداءات"؛ وتؤكد المصادر الوزارية وجود تشدد دولي لافت في هذا المجال، وخصوصاً من قبل الأميركيين والأوروبيين: "وتحديداً بريطانيا التي أبلغت بعض المسؤولين اللبنانيين موقفاً حازماً في هذا الشأن".