انّه مبنى "برج المرّ"، ذاك المبنى الشهير في بيروت الذي مضى على بنائه 35 عاماً، وقد شكّل في ذلك الحين بداية دخول عاصمة لبنان حقبة الأبراج في مزيج هادىء ما بين التراث والحداثة في التطور العمراني.
ومع نهاية تشييد المبنى الضخم، أمِل اللبنانيون أن تدخل بيروت مرحلة الازدهار من اوسع البوابات، الا أن الحرب الاهلية التي اجتاحت لبنان واندلعت لسنوات غافلت احلام المواطنين وحوّلت احد معالم الحضارة الى اهم المواقع العسكرية والميليشوية!
ثماني وعشرون طبقة انبثقت من قطعة ارض في محلة "القنطاري" شاهدة على ارادة التقدم والازدهار، أصبحت حينها جزء مما سمي "حرب الابراج" : برج المر - القنطاري وبرج رزق- الاشرفية.
سكنت "برج المر" الشاهق إبان الحرب العبثية في لبنان المدفعية الثقيلة والرشاشات وقاذفات الـ B7 طيلة تلك السنوات الحالكة، واليوم، بعد أن أخلت الاسلحة الدموية مواقعها بات البرج فراغاً منسياً.
وفي 14 من ايار الماضي، انطلقت شرارة الإبداع من عمق الفنان "جاد خوري" وأصابت المبنى بلمسات فنية راقية أعادت الى البرج جماليته وبثت فيه الحياة من جديد، فنفخ بفكرة أشرقت على هيكل المبنى الوانا حديثة وروحا جديدة.
جاد خوري الملقّب بـ "فنان الشوارع" يساعده باسل جلول، استطاع الاستحصال على إذن رسمي بتزيين البرج من الخارج، وفي مبادرة خلاقة قام بتعليق الستائر الملونة على نوافذه في محاولة لمسح دمعة الحزن وستر معالم الحرب عن واجهاته، حتى أصبح أشبه بفراشة ترفرف بجناحيها الملونة فرحاً مع كل نسمة ريح!
اليوم، وبعد أقلّ من شهر، تمّ نزع الستائر عنه، في خطوة غير مبررة، فعاد عارياً حزيناً ووحيداً كما كان عليه في زمن السواد البغيض، ورغم أن سرية الجيش اللبناني التي تمركزت في طوابقه الأولى تؤنس الى حدّ بسيط كربته وتكفكف جراحه، الا ان لفحة الحزن "المرّ" عادت واضحة في لونه الرمادي! هذا الجيش الذي ما لبث يواسي انكسار الوطن وشعبه في أزمة الفساد المسشتري والانهيار المالي والاقتصادي والتفلّت الأمني وسط نزوح ثقيل يحمل على عاتقه واجباً قومياً بات يقصم الظهر!!
جاد خوري وباسل جلول، شكرا باسم "الشعب العظيم" ومدينة الشرائع بيروت، على جهودكما التي لم تقدّر كما يجب، يكفي أن أعدتما نبض الحياة للحظات الى برج خرج من تحت الركام مستشهدا، وكحّلتما عيون اللبنانيين بمشهد جميل، عيون باتت ترى الرّمادي كل يوم في مواقف البشر ولون الحجر!!