كتب المفكر والإعلامي والديبلوماسي الراحل واجد دوماني في العديد من الصحف والمجلات، وأغنى صفحاتها بما كتب عن الفكر والأدب والثقافة والإعلام والسياسة والصحة والإنسان وشؤون الحياة، بأسلوب يعتمد العمق والبساطة والسلاسة والأناقة في آن، وينبع من غنى الثقافة وغزارة الإطلاع وعمق التجارب. بعض مقالاته يعود إلى الستينيات، ومع ذلك فإنّ القارىء يتفاعل معها وكأنها كتبت اليوم، ولقد اختار"لبنان 24" إعادة نشر هذا المقال، وعنوانه: "الصمت فن وحكمة..".
ليس أسهل من الكلام، ولا أيسر على اللسان من التحدث.. وليس أهون من تحريك اللسان.. ولكن الصعوبة - كل الصعوبة - والمشكلة - كل المشكلة - تكمن في كبح اللسان، ولجم هذه الغدة اللحمية من الانفلات والانزلاق.. وكثيراً ما غافل اللسان صاحبه فقذفها حمماً، وأطلقها قنابل تحرق وتدمر ثم تعكس على صاحبه التحرج والمرارة والأسى..
لهذه الأسباب، أجمع الحكماء على النصيحة بضرورة إخضاع اللسان للمراقبة وضبطه باستمرار، وقد تمنى أحدهم أو عثر على كبسولة يمكن أن يستعين بها في ضبط حالات الصمت والكلام.. كما تمنى آخر لو كانت رقبته كرقبة الجمل حتى لا تخرج الكلمات إلا بعد مرورها بقناة طويلة.. تصفي حشو الكلام..
ولما كان اللسان هو العضلة الناطقة والصامتة في وقت واحد.. وهي العضلة المتحركة التي يمكن أن تبعث النشوة والراحة.. كما يمكن أن تثير التوتر والقلق والتشنج.. فقد وجب على الإنسان أن يراقب عضلة لسانه، ويتذكر القول المأثور: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب.
إذ كلما تحركت عضلة اللسان، وصدرت عنها الأصوات بكثافة كلما كان عرضة للخطأ والإيذاء.. ونادراً ما تكون.. عرضة للقبول والرضا!! وكلما جنح هذا اللسان إلى اللين والسلم أي إلى الصمت، كلما كنت أقرب إلى السلامة والأمان!!
فالبطولة هي في معرفة: متى يصمت الإنسان؟ ومتى يتكلم؟ وأين؟ ومع من؟ القدرة على اختيار الوقت للكلام والقدرة على اختيار الوقت للسكوت لا تتوفران عند كل إنسان.. فاللسان بالنسبة لكل إنسان عضلة مهمة.. وعضو بالغ الأهمية في تحقيق السلام النفسي..
فاللسان هو الإنسان الحقيقي.. وصدق زهير بن أبـي سلمى عندما قال:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده
فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
كم من كلمة لطيفة هادئة ألانت قلوباً قاسية.. كم من كلمة ناعمة أشاعت الطمأنينة.. كم من كلمة فواحة أنارت الظلمة في قلوب لم تعرف غير الظلام. وكم من كلمة رقيقة امتصت ريح الغضب التي كادت تطفئ سراج العقل..
إن صمتاً جيداً في وقته، وسكوتاً ذكياً في حينه.. يساويان أضعاف كلام من غير وقته مهما كان هذا الكلام منمقاً أو جذاباً ومزخرفاً.. إن كثيراً من الناجحين في الحياة، إنما نجحوا لأنهم عرفوا متى يصمتون؟ وكيف؟ وأين؟ ومتى يتحدثون؟ وكيف؟ وأين؟
السياسي الناجح هو الذي يجيد هذا الفن فن الصمت وفن الكلام ومتى؟ وأين؟
إن للصمت صوتاً صاخباً، وضجيجاً يكاد يبلغ حدّ السكين ولقد حفلت كتب العرب والفرنج بالكثير من الكلام عن إيجابيات الصمت.. وسلبيات الكلام..
فاللسان هذه العضلة الخطيرة الحساسة، يجب إخضاعها لمراقبة دائمة، وصيانة مستمرة فهي مصدر التعاسة والسعادة معاً..
ويا إخواني: احفظوا لسانكم تأمنوا.. كم من كلمة قالت لصاحبها دعني... فلما دعاها.. كسرت وجرحت!!