باتت الأزمات المعيشية الخبز اليومي للشعب اللبناني بدءاً من نقص المازوت وارتفاع أسعاره في الشتاء، مروراً بتحول البلد الى مكب كبير للنفايات في الصيف ومؤخراً في كل الفصول، من دون أن ننسى الأزمات السياسية المتلاحقة من غياب أو تغييب رأس الدولة، الى تقاعس مجلس النواب عن القيام بعمله، الى حكومة شبه مشلولة ما زالت تبحث عن آلية توافقية لعملها في حده الأدنى.
والسؤال المحير لماذا لا يثور الشعب اللبناني على الطبقة السياسية الحاكمة والمتحكمة برقابنا؟ لماذا لا يجيد اللبناني سوى تحريك اللسان لتسجيل اعتراض على قضية قد تؤدي الى انهيار حكومة ونظام في بلد آخر؟ لماذا لا يتحرك اللبناني الا عبر مواقع التواصل الاجتماعي أمام الأزمات اليومية، التي قد يكون البعض منها مصيرياً؟ لماذا لا يلتقي الشعب اللبناني في الساحات الا من أجل كيل الشتائم والسباب و التحريض الطائفي والمذهبي وإعلاء الصوت باللازمة الشهيرة "وينيي الدولة"؟
تدعو الجمعيات وهيئات المجتمع المدني على اختلاف أهدافها وانتماءاتها مجموعات الشباب للتظاهر والاعتصام احتجاجاً على الواقع السياسي والمعيشي والاقتصادي في البلد فلا نجد سوى 200 الى 300 شخص كحد أقصى لبّوا الدعوة ونزلوا الى الشارع، أما الباقي فصامد في منزله في خضم رياح الثورات الشعبية العاصفة في معظم البلدان العربية حتى تلك التي تحكمها أنظمة قمعية توتاليتارية حيث حرية التعبير عن الرأي محرمة.
هل يلتزم اللبنانيون المنازل في انتطار صحوة ضمير السياسيين أم أنهم يعرفون مسبقاً أن النتيجة هي هي، طاقم سياسي يروح ليأتي مكانه طاقم آخر شبيه به؟ لا شيء يحرك اللبناني ويقنعه بضرورة القيام بثورة تنقله من حال الى حال، فلا الكهرباء المقطوعة ولا المياه الملوثة ولا الغذاء الفاسد ولا الدواء المغشوش، ولا الغلاء الذي يلتهم المداخيل ولا الرواتب التي تلتهمها المصاريف على الاستشفاء الأخطبوطي وعلى الاقتصاد المنهار وعلى الضمير الغائب.
كل هذه المعضلات المستعصية على الحل بسبب سوء إدارة البلاد لم ولن تدفع بالشعب اللبناني الى حتى التفكير بالقيام بثورة، فلماذا؟
يقول الاستاذ المحاضر في كلية الاعلام في الجامعة اللبنانية الدكتور نبيل شديد إن الشعب اللبناني مصاب بداء الخمول حتى لا نستعمل كلمة تدجين، فهو كعادته وعند كل مناسبة يجند مواقع التواصل الجتماعي للتعبير عن رأيه أو شرح قضيته من دون أن يكلف نفسه عناء النزول الى الشارع، وذلك لأسباب نفسية بالدرجة الأولى تتعلق بتجربة الاحتلالات التي عايش قمعها لفترات طويلة، إضافة الى الملاحقات والاحتجاز والتحقيقات والاستجوابات والتعذيب والاهانات مما يدفعه الى تفضيل الدخول، بنقرة إصبع، الى عالم افتراضي هو عالم وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يمسك بالكون من أقصاه الى أقصاه فيمتلك شعوراً بالقدرة على امتلاك كل شيء بنقرة من دون أن تطاله يد رقيب أو حسيب.
يواجه اللبناني أزماته المعيشية والسياسية بشكل لفظي، بحسب شديد، إذ أنه يتلطى في كثير من الأحيان وراء أسماء وهمية ليعبر من خلالها عن رأيه الصريح. "النزلة الى الشارع" حركة شعبوية يرفضها اللبناني الذي يتمسك بالمكانة الاجتماعية وحب الظهور معتبراً أن الشارع هو لأبناء الشارع.
يؤكد الدكتور شديد أن وسائل التواصل الاجتماعي ومنها الهواتف الذكية المتوافرة لدى غالبية الناس ساهمت في جعل هذه الشبكات جزءاً من حياتهم اليومية فيؤثرون ويتأثرون بما يطرح فيها في الوقت نفسه، وبذلك يندمج الشارع الافتراضي مع الشارع الحقيقي. هذه المواقع التي طالما عرفت بأنها للدردشة والتسلية وتمضية الوقت تحولت الى منابر فكرية للتعبير عن الرأي، وتحدياً لرفض كل أنواع القمع الفكري والاجتماعي ووسيلة مباشرة لإيصال الرسالة المطلوبة بأقل جهد ممكن.
في بلد فاقد للجاذبية وفي حالة سقوط حر على وقع نارجيلة بعنب وحامض، يتموضع اللبنانيون محصنين وراء مواقع التواصل الاجتماعي ليحركوا الثورات الافتراضية في بلد العجائب الذي لا تنقصه سوى "أليس".
("لبنان24")