ذكرت صحيفة "القبس" أن الحدث الذي فجّر "القوة الهائلة" التي في داخل الشيخ أحمد الأسير هو انفجار الاحتجاجات في سوريا. ها قد دقت ساعة الثأر، وكان يخاطب أنصاره في مسجد بلال بن رباح، ولا يتوانى أحياناً عن الإشارة إلى "الرؤية" التي كانت تصله ليل كل جمعة، في إحدى المرات قال لهم: "رأيت رأس بشار الأسد يتدحرج من دمشق إلى نهر الأولي"، وهو النهر الذي يعبر إلى البحر الأبيض المتوسط عند المدخل الشمالي لمدينة صيدا.
هو الذي ولد في 13 تشرين الأول 1968، ودرس العلوم الشرعية في كلية الشريعة التابعة لدار الفتوى في بيروت، بعدما كان قد انهى حفظ القرآن الكريم وهو في السابعة، عمل في أكثر من مهنة، لكي يعين العائلة، لكن الشخصية الاخرى كانت تتحرك في داخله، بانتظار ساعة الصفر.
التحضير لاغتيالات
وجاء في الاعترافات أن الأسير كان يعد بالتنسيق مع جهات لبنانية وغير لبنانية، لتنفيذ عمليات اغتيال شخصيات سياسية حساسة.
هذا، وقد تم في صيدا القبض على الشرطي البلدي سامي الهبش في ضوء اعترافات الأسير عن نشاطاته والمتواطئين معه.
سرايا المقاومة
الشيخ أحمد الأسير، الذي كان يلاحظ كيف أن افراد سرايا المقاومة (لبنانيون وفلسطينيون)، التابعة لـ"حزب الله"، يتجولون ويستأجرون الشقق في أمكنة حساسة من منطقة عبرا، وهي ضاحية لمدينة صيدا، وتقع على تلة كان يعتقد أن الحزب إنما يريد تطويق المسجد والمربع الذي حوله للانقضاض عليه في لحظة ما.
هذا يعني أن الخطب والمواعظ لا تكفي، لابد من الرجال المدربين ومن السلاح، وهذه ليست بالمسألة الصعبة في لبنان. جرى تدريب العشرات، كنواة للقوة الضاربة التي تعمل في مختلف المناطق اللبنانية، وكانت هناك البنادق الرشاشة والقاذفات الصاروخية.
وقيل إنه هو أيضاً خضع لعملية تدريب ليس فقط على استعمال السلاح وانما أيضاً على إدارة العمليات. وفي إحدى الصور ظهر في حالة الاستعداد حاملاً بندقيته الرشاشة، وكانت عيناه تقدحان شراراً، ولطالما تردد أن عينيه تشبهان فوهة البندقية!
كيف أقنع فضل شاكر
صلاته بالمجموعات المتشددة في مخيم عين الحلوة كانت تتوطد يوماً بعد يوم، وربما كان هذا ما أجج المواقف حول ما يزمع فعله وهو الشديد التأثير بمن حوله، حتى أن البعض في صيدا كان يقول إن من يستطيع اقناع فضل شاكر بـ"التوبة" وترك ملذات الدنيا والانتقال الى التعبد والى "الجهاد" ولو عبر الصوت لا يمكن إلا أن يكون رجلاً خارقاً.
هكذا استقطب الشيخ أحمد الأسير "مشاعر" عدد من أثرياء صيدا والمناطق الأخرى وكانوا يمدونه بالمال، كما أن هناك أثرياء خليجيين افتتنوا بشخصيته القابلة للاشتعال السريع، ولم يبخلوا عليه بالمساعدة والى حد الحديث عن دولة عربية قدمت له يد العون وإن بصورة محدودة لأن شخصيته وسياساته لم تكن واضحة بما فيه الكفاية.
عسكرة الحركة
وقالت جهات محايدة في صيدا لـ"القبس" الكويتية إنه لو لم يسارع أحمد الأسير الى "عسكرة" حركته، وإن أعاد ذلك في حينه الى استفزازات سرايا المقاومة، لكان قد اكتسح الشارع السني في صيدا، وحتى في بيروت وطرابلس والبقاع، كان لا بد للشخصية الصاروخية أن ترتطم بالحائط بعدما بدا أن خطته بإقفال طريق الجنوب ستكون له مفاعيل بالغة الخطورة.
ذلك اليوم من تموز 2013، انه اليوم الثالث عشر الذي اطلقت فيه النار على ضابط يقف عند نقطة التفتيش التي أقيمت قبالة مقر الأسير. انصاره يتهمون سرايا المقاومة بفعل ذلك في اطار سيناريو للقضاء على الظاهرة الأسيرية في صيدا. لكن مصدراً عسكرياً قال آنذاك لـ "القبس" إن التحقيقات أظهرت بما لا يقبل الشك أن الرشقات الرشاشة اطلقت من داخل المربع. ولكن لماذا اختار الأسير المواجهة مع الجيش، وهو الذي لم يستكمل استعداداته؟ ترددت معلومات آنذاك تقول إنه كان قد نسق مع مجموعات فلسطينية متطرفة في مخيم عين الحلوة وفي منطقة التعمير، على أن يتحرك الأنصار في المناطق الأخرى.
والمثير هنا أن الجيش تنبه الى إمكانية أن تحدث محاولة تمدد من المخيم. توجهت نحو عشرين دبابة الى محيط عين الحلوة، ومع ذلك تمكن الشيخ الأسير من اختراق الحزام حول المخيم والدخول اليه. كيف؟ يحكى عن انفاق تستخدم في الأوقات الحاسمة.
الجيش خاض مواجهة ضارية مع أنصار الأسير، وسقط منه 18 جندياً وضابطاً بالإضافة الى عشرات الجرحى، لتنتشر الاشاعات حول مصير الاسير. قتل أم فر الى المخيم أم الى سوريا؟
ثمة طريق وعر يوصل الى عين الحلوة. كيف سلكه الاسير، وهو يمتد لنحو ثلاثة كيلومترات، وفي اجواء بالغة التوتر لابد للتحقيق أن يكشف ذلك، فهل هرب قبل أن تبلغ المعركة ذروتها ويبدأ زحف الدبابات الى المقر؟
زي امرأة
قيل إنه تنكر بزي امرأة، وقد لوحظت قدرته على اجتذاب النساء والفتيات الى صفه، وهو الذي وصفه البعض بـ"راسبوتين الصيداوي"، فيما يؤكد معارفه أن ليست لجرأته حدود، ومع ذلك آثر الفرار على المواجهة تاركا انصاره يسقطون الواحد تلو الآخر، اما قتلى وجرحى أو في قبضة القوى الامنية.
لقد هرب مع "ظله"، وربما ملهمه أيضًا فضل شاكر ،وقد زارت "القبس" المبنى القريب الذي يملكه الفنان المعتزل، ويرجح أن يكون الاثنان قد انطلقا من المبنى باتجاه عين الحلوة.
ضاقت الدنيا به داخل المخيم، وحيث كان الشيخ احمد الاسير بمنزلة الاسير بعدما ابلغت مديرية المخابرات في الجيش اللبناني قيادة حركة "فتح"، أن معلوماتها تؤكد أن الامام السابق لمسجد بلال بن رباح قد دخل الى المخيم وهو يقيم في منزل حدد مكانه بدقة.
الرجال السريون
هذا لم يحل دون الأسير والبقاء على تواصل مع بعض رجاله السريين الذين بقوا بعيدين عن الانظار، وبعضهم كانوا يعملون لدى شخصيات مما يحميهم من الشبهات في التحقيقات التي تجري الآن، باح الاسير بأسماء جميع الذين يتعاونون معه، فكانت هناك اعمال دهم لمخابرات الجيش التي تسلمته امس من جهاز الامن العام، في مناطق مختلفة في صيدا حيث ضبطت اسلحة ووثائق ولكن دون توقيفات باستثناء خالد الازعر الذي اعتقل اول امس.
والمثير هنا ما يتردد في مدينة صيدا أن الاسير، الذي غير مظهره للتوجه عبر مطار بيروت الى نيجيريا، وقد سدت في وجهه كل السبل الاخرى، كان يعرف أنه سيعتقل، بعث لزوجته امل شمس الدين أنه اذا لم يتصل بها في الساعة الثانية عشرة من يوم التوقيف فهذا يعني أنه سقط في الفخ. ما الطريق الآخر امامه؟