بانتظار أن يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود على خط المسعى الحكومي ويماط اللثام عن المعرقلين الحقيقيين لعملية التأليف، ثمة من يحصر العقبات التي تقف عائقا أمام ولادة الحكومة، بالعقد المحلية المتمثلة بحصتي حزب القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي، بيد أن أطرافاً أخرى ترد التشدد في مواقف معراب وكليمنصو إلى تدخل خارجي من أجل إطالة أمد التأخير في التشكيل لحسابات إقليمية.
لقد شاعت نهاية هذا الأسبوع بوادر تفاؤلية عكسها رئيس "التيار الوطني الحر" الوزير جبران باسيل بعد زيارته بيت الوسط، ولقائه الرئيس المكلف سعد الحريري، غير أن المعنيين بالمفاوضات لم يتوقفوا ملياً عند الكلام العوني، فبث الفرقاء التفاؤل بين الفينة والاخرى، لا يعكس حقيقة الواقع المتلبد حكومياً.
تنسف أوساط سياسية مراقبة، الأجواء الإيجابية التي تقول إن الجهات الغربية المعنية بالملف اللبناني تستعجل تأليف حكومة "العهد الأولى".
بالنسبة إلى مصدر نيابي عائد من الولايات المتحدة لـ"لبنان24"، فإن الرئيس المكلف أمام وضع حرج. صحيح أن واشنطن تدعو المكونات كافة إلى تشكيل حكومة في أسرع وقت، لكنها بعثت إلى المهتمين رسائل مفادها أن مجلس الوزراء يجب أن لا يكون تحت سيطرة حزب الله، وأي تجاوز لهذا المطلب، سينعكس سلبا على لبنان على الصعيدين الاقتصادي والأمني، لجهة التقليل من حجم المساعدات والدعم لا سيما أن المؤسسات الاقتصادية الكبرى في قبضة الإدارة الأميركية وهذا من شأنه أن يجمد ما خلص إليه مؤتمر سيدر من دعم للبنان، وكذلك الحال مع قوات الطوارئ الدولية التي تربط واشنطن الابقاء على مساهمتها لها بتعديل مهامها.
وسط ما تقدم، يجهد حزب الله، بحسب المصدر نفسه، إلى تأليف حكومة بأسرع وقت ممكن. حكومة تحاكي نتائج الانتخابات النيابية التي حققت فوزا كاسحا لفريق الحزب وحلفائه في 8 اذار والتيار الوطني الحر، درءا للمخاطر التي قد تترتب عليه من جراء العقوبات الأميركية على الجمهورية الاسلامية، بالتوازي مع التقرير الذي ستقدمه وزارات الخارجية والدفاع والخزانة الاميركية إلى الكونغرس في أول ايلول حول مراقبة حزب الله ودوره في جنوب الليطاني، هذا فضلا عن رغبته القوية الدخول إلى مؤسسات الدولة والعمل على تحديد الاتجاهات الاقتصادية والمالية للبنان، وصولاً إلى معالجة الخلل الانمائي والاجتماعي في مناطق نفوذه، مع إشارة مصادر مقربة من الثنائي الشيعي إلى أن الحزب قد يتخلى عن حقيبة الصحة من أجل تسهيل عملية التأليف، في حين أن مصادر الحزب نفت ذلك، مؤكدة لـ"لبنان24" أن أي فيتو أميركي يوضع على حزب الله على صعيد الحقائب الوزارية، سيجعل حارة حريك متمسكة أكثر من أي وقت مضى بمطلبها إن لجهة "الصحة" أو أية وزارة أخرى.
على خط مواز، وإذا كان كثيرون يتساءلون عن الدور السعودي ويهمسون أن الرياض هي المعطل الأول لعملية تأليف الحكومة ربطا بالتطورات الاقليمية خلال الشهرين المقبلين. فالواقع ليس كما تصوره بعض الشخصيات السياسية، تؤكد أوساط سياسية بارزة لـ"لبنان24". فالمملكة لا تتدخل في التفصيل الحكومي ولا تعير الشأن اللبناني الاهتمام الذي كان يستخوذه في مراحل سابقة. وبالتالي فإنها لا تضع العصي في دواليب المفاوضات. وكل ما في الأمر أن الرئيس الحريري يتعمد السير ببطء لعل إشارة سعودية تصله وتعكس اهتماما رياضيا به. وترى المصادر أن تمسك الحريري بحصة القوات اللبنانية مرده اقتناع الرئيس المكلف بمكانة القوات عند السعوديين والأميركيين الذين لن يسمحوا من جهتهم، أن تكون الحكومة تحت جناح حارة حريك.
وعليه، يمكن القول إن تاليف الحكومة يتعدى الاتفاق على أجندة العمل المقبلة ومضمونها السياسي، فهذا الملف أصبح جزءاً من أزمة الاقليم الكبرى المتداخلة ملفاتها واحدة مع الأخرى.