تتضارب المعطيات حول مصير الحكومة الموعودة، فيما لم يقرر الرئيس المكلف سعد الحريري حتى الآن موعد تقديم مسودته الاولى الى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، الذي قال امام زواره، إن الفرص تضيق امام فكرة مراعاة جميع الاطراف، وإن على الحريري التقدم بصيغة لأن وضع البلاد، وخصوصاً على الصعيد الإقتصادي، لم يعد يحتمل التأخير.
الحريري يزور بعبدا
وفي الوقت الذي غابت الحركة المتصلة بالتشكيلة الحكومية عن "بيت الوسط" وقصر بعبدا، ترددت معلومات مساء امس لـ"الجمهورية" عن احتمال أن يزور الحريري قصر بعبدا في اليومين المقبلين فور انتهائه من جولة الإتصالات التي بدأها، والتي تنتظر ان تكتمل باللقاء المرتقب مع جنبلاط او من يمثّله بعدما التقى الوزير ملحم الرياشي يوم السبت موفداً من رئيس حزب "القوات اللبنانيّة" سمير جعجع.
ولم تؤكد مصادر قصر بعبدا لـ"الجمهورية" وجود اي موعد للحريري، "لكنّ أبواب القصر مفتوحة إن أراد ذلك، فقد اعتاد دولته ان يجري اتصالاً بفخامة الرئيس ويزوره ساعة يشاء".
وقالت مصادر وزارية قريبة من بعبدا لـ"الجمهورية" انّ رئيس الجمهورية العماد ميشال عون يواكب الاتصالات الجارية، وتمنّى إعطاء الرئيس المكلف التسهيلات اللازمة للإسراع في التأليف. فالبلاد لا تحتمل التأخير، والاستحقاقات المقبلة دقيقة ومهمة ولا يمكن مواجهتها إلّا بحكومة كاملة الأوصاف.
وأوضحت "انّ المقترحات الأخيرة التي تقدّم بها عون ومن بعده قيادة "التيار" قلّصت من حجم العقدة المارونية او ما يسمّى بتمثيل "القوات"، وانّ ارتفاع عدد الحقائب التي يمكن إيكالها لهم من 3 الى 4 من بينها حقيبتان أساسيتان سيفتح الباب على التسوية بهذا الشأن".
لكن المشكلة باتت محصورة بالعقدة الدرزية التي، على ما يبدو، لم تتزحزح. وإنّ من تعهّد بالسعي الى هذه التسوية لم ينجح بعد او على الأقل لم يبلغ رئيس الجمهورية بالصيغة التي يمكن ان تؤدي الى تجاوزها. وأكدت "انّ حل العقدة الدرزية بعد المسيحية سيشكّل إشارة بالغة الأهمية لتزخيم العمل من أجل تشكيلة تُرضي الأكثرية وتكفل الحصول على ثقة مجلس النواب لاحقاً".
لا تقدّم حتى الساعة
وكشفت أوساط مطلعة لـ"النهار" ان الحرك الذي قام به الرئيس المكلف سعد الحريري الاسبوع الماضي أفضى واقعياً الى ما يمكن اعتباره تثبيت ركائز بارزة في عملية تأليف الحكومة وكان من أبرز هذه الركائز تسليم الجميع بأن تكون الحكومة الجديدة حكومة توافق وطني بمعنى التمثيل الشامل للقوى التي خرجت بتفويض انتخابي واسع من الانتخابات وليست حكومة أكثرية. كما ان الركيزة البارزة الاخرى تتمثل في اسقاط الفيتوات من فريق على آخر في ما يتصل بالحقائب والحصص لان التوزيع العادل للمقاعد والحقائب هو من صلب مهمة الرئيس المكلف بالتعاون مع رئيس الجمهورية ولا يمكن ان يستقيم الوضع الحكومي الجديد ما لم يأخذ كل فريق معني حقه. وفي ظل ذلك تشير الأوساط نفسها الى ان مجريات تأليف الحكومة انتقلت الى المرحلة التفصيلية الاخرى بعد توزيع الحصص وهي توزيع الحقائب.
وأوضحت ان الأيام التي أعقبت لقاء "بيت الوسط" بين الرئيس الحريري ووزير الخارجية جبران باسيل لم تقترن بحيوية كان ينتظرها الجميع، الأمر الذي عكس وفق المعطيات التي توافرت لاحقاً عودة الدوامة المتصلة بحقائب "القوات اللبنانية" من جهة وحصة الحزب التقدمي الاشتراكي من جهة مقابلة. واذ قالت إن أي اتصال أو لقاء جديد لم يحصل بعد بين الرئيس الحريري والحزب التقدمي الاشتراكي في انتظار ان تتبلور لدى الرئيس الكلف ملامح حل ما لعقدة التمثيل الدرزي، لفتت الى ان ذلك يؤكد ان تمسك "التيار الوطني الحر" بدعم توزير النائب طلال ارسلان أو من يمثله ضمن الحصة الدرزية لا يزال يشكل عقدة أساسية أمام تجاوز هذه العقدة.
أهداف حركة الرئيس الحريري
ولكن حسب مصادر مطّلعة، فإنّ حركة الحريري هدفت الى أمور عدة:
الأمر الاول: نفي وجود عقبات خارجية تحول دون تأليف الحكومة، لأنّ إجماعاً ظهر، في الفترة الاخيرة، على انّ العقبات الداخلية صارت ثانوية امام اللعبة العربية والاقليمية والدولية.
الأمر الثاني: محاولة إشراك الثنائي الشيعي، من خلال رئيس مجلس النواب نبيه بري، في تذليل العقبات لأنه حتى الآن كان هذا الثنائي يتفرّج على عملية التأليف على أساس انّ هذه الصلاحية منوطة بالرئيس المكلف بالتشاور مع رئيس الجمهورية.
الأمر الثالث: محاولة إحياء العلاقة بين تيار "المستقبل" و"التيار الوطني الحر"، لكي لا ينحصر تحالف "التيّار الوطني الحر" مع "حزب الله" فقط.
والنشاط العلني الذي قام به الرئيس المكلف، وغير العلني، ترك للوهلة الاولى انطباعاً انه يمكن حصول خرق لأنه شعر انّ كل الاطراف تعلن انها تريد حكومة ولكن كلٌّ بحسب شروطه، فعادت عملية التأليف الى خانة البداية بانتظار جولة مشاورات جديدة تتواكب مع تطورات شرق أوسطيّة.
وعُلم في هذا الاطار انّ سوريا و"حزب الله" أبلغا المعنيين بضرورة احترام تمثيل أصدقائهما في لبنان. كذلك فإنّ الاطراف العربية الاخرى، وإن لم تضع شروطاً، أوحَت الى المسؤولين في الدولة اللبنانية بأنّ موقفها الداعم للبنان يتحدد بعد تأليف الحكومة ومعرفة مدى توازنها الداخلي والاقليمي.
الايجابية مستمرة
ومع أن الرئيسين عون والحريري، وبحسب "الأخبار" حرصا في الأيام الأخيرة على إشاعة أجواء إيجابية، الا ان اللافت للانتباه هو كلام رئيس الحكومة عن مصاعب داخلية في عملية التأليف، نافياً وجود عوامل خارجية، وقوله في الاجتماعات التي عقدها الأسبوع الماضي في بيروت إنه لا عقد خارجية في موضوع الحكومة، وإن المسألة لا تتعدى حدود الصراع على الحصص، لذلك، يصبح الاختبار أمامه مزدوجاً:
أولاً، إن قدم الحريري حكومة أمر واقع ترضيه ورئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي وحزب الله والتيار الوطني الحر، يحدد فيها ما يعتقده مناسباً ومرضياً لجميع الأطراف، وخصوصاً لسمير جعجع (ثلاث حقائب ووزارة دولة وليس بينها سيادية ولا الأشغال أو الطاقة أو الاتصالات أو كل تلك التي تطالب بها القوات) ووليد جنبلاط (وزيران درزيان وثالث من طائفة أخرى)، فإن السؤال، ماذا لو إعترض جعجع وجنبلاط عليها وصولاً إلى رفض الدخول إليها متّكئين على دعم سعودي صلب جداً لهما، هل يفعلها الحريري ويكون قد قرر ما لم يقرره بعد الانتخابات بالمضي في خيار القطيعة مع السعودية؟
ثانياً، إن قدم الحريري إلى رئيس الجمهورية صيغة ترضي القوات اللبنانية، عبر إعطائها الحقائب الأربع التي اشترطتها بديلا للحقيبة السيادية وهي: الأشغال العامة، الشؤون الاجتماعية، التربية والثقافة وترضي وليد جنبلاط بمنحه المقاعد الدرزية الثلاثة، فمن المرجح أن يرفضها رئيسا الجمهورية والمجلس وحزب الله والتيار الوطني الحر، لأنها تحمل في طياتها مشروع اشتباك سياسي يبدأ ولا ينتهي، بدءاً من تيار المردة الذي يطالب بحقيبتين في حال حجب الأشغال عنه، مروراً بالرئيس بري الذي يتمسك بالأشغال إلى جانب المالية والتنمية الإدارية، وصولاً إلى التربية التي يطالب به جنبلاط بديلاً للصحة التي يتمسك بها حزب الله.
إلى ذلك، نقل وفد اقتصادي عن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون إصراره أمامه على أن تكون وزارة الاقتصاد من حصته الوزارية، كونها "وزارة حيوية ولا أحد يعرف قيمتها". وكشف عون أنه حثّ النيابة العامة المالية على المضي في إجراء تحقيق جدي في موضوع استحواذ بعض السياسيين على برنامج دعم الفوائد على القروض السكنية.
استراتيجية باسيل
وأشارت صحيفة "اللواء" الى ان البارز "الاستراتيجية" التي يتبعها الوزير جبران باسيل، وهي تستعيد الخطة التكتيكية، والتنفيذية التي استخدمت إبان التحضيرات لانتخابات الرئاسة الأولى، والتي انتهت بانتخاب العماد ميشال عون.
وتقضي هذه الاستراتيجية:
1- الرهان على عنصر الوقت، فهو وإن تأخر تأليف الحكومة، فلا مشكلة لديه، المهم ان يجبر الخصم على تقديم تنازلات تتبنى مطالبه.
2- تكرار تجربة عزل تيّار المردة خلال الانتخابات الرئاسية بعزل «القوات اللبنانية» واضعاف عامل التفاوض المباشر معها، وإحالة الوزير رياشي تارة، إلى معيار الانتخابات، وتارة إلى الرئيس المكلف سعد الحريري.
3- تعزيز التفاهم مع حزب الله، وتجنب ازعاج الرئيس نبيه برّي.
4- اعتماد تنسيق يؤدي إلى توزيع الأدوار مع قصر بعبدا، تحت شعار عدم ابتزاز العهد، وعدم العجلة بتأليف الحكومة، لأن في التأني السلامة، وفي العجلة الندامة..
5- التلويح بخطوات في الشارع لفك أسر لبنان من الاعتقال السياسي تماماً كما حصل عندما تحرك الشارع للمطالبة بانتخاب العماد عون.