كتب المفكر والإعلامي والديبلوماسي الراحل واجد دوماني في العديد من الصحف والمجلات، وأغنى صفحاتها بما كتب عن الفكر والأدب والثقافة والإعلام والسياسة والصحة والإنسان وشؤون الحياة، بأسلوب يعتمد العمق والبساطة والسلاسة والأناقة في آن، وينبع من غنى الثقافة وغزارة الإطلاع وعمق التجارب. بعض مقالاته يعود إلى الستينيات، ومع ذلك فإنّ القارىء يتفاعل معها وكأنها كتبت اليوم، ولقد اختار"لبنان 24" إعادة نشر هذا المقال، وعنوانه: "قُتل الإنسان ما أكفره!".
كنت أود أن ألجأ إلى صاحب البرنامج المعروف في الإذاعة البريطانية "قول على قول" وهو الأستاذ حسن الكرمي، لأسأله من هو القائل:
يتمنى المرء الصيف في الشتا
فإذا جاء الشتاء أنكره
لا بذا يرضى ولا بذا
قتل الإنسان ما أكفره
يبدو أن الإنسان في طبعه يميل إلى التغيير، ويرفض الرتابة، ويكره التكرار، ولعل من أمراض العصر التي أخذت حجماً كبيراً وبعداً عميقاً في حياة الإنسان هو ما يسمى بالسأم أو الملل، أو الضجر..
فمعركة الإنسان مع "السأم" في الأصل أزلية، ولكن حجم هذا السأم قد كبر في عصرنا، فأصبحت المعركة معه تحتاج إلى أسلحة فتاكة، وأساليب حديثة، وأدوات فعالة...
فالإنسان - كما قلنا - بطبعه يرفض الرتابة، ويكره تكرار الأشياء، ويمل من استمرار الصور والمواقف والكلام، فهو يبحث عن كل شيء جديد، ويسعى إلى كل مستحدث، فالتغيير أصبح ضالة إنسان هذا العصر التي ينشدها أينما كان، ويسعى وراءها، ويعثر عليها، لكن عدم التغيير، يثير في النفس السأم..
وصدق الشاعر العربـي عندما قال:
لو وقفت الشمس في الفلك دائمة
لملها الناس من عجم وعرب
والمال كالماء أن تحبس سواقيه يأسن
وأن يجرى يعذب منه سلسال
ولعل في توزيع السنة على أربعة فصول وراءه حكمة عميقة، فالشتاء والربيع والصيف والخريف كلها تشكل السد الكبير لحياة الإنسان.. السر الذي يجعل هذا الإنسان يقبل على الحياة بشيء من القبول والرضى.. وذلك من خلال ما تفرزه هذه الفصول الأربعة من مناخات مختلفة ومتغيرة فتبعث في النفس النشاط.. إذ كيف نستطيع أن نتصور أو نتقبل أن تكون فصول السنة فصلاً واحداً..
فالبلاد التي تعاني من وطأة الفصل الواحد، يتميز سكانها بالكسل وبلادة الذهن.. ويعلو نفوسهم الصدأ...
فالتحرر من "السأم" سيبقى مشكلة الإنسان الأولى، وقد أخذت هذه المشكلة تتفاقم في عصرنا الحاضر، حتى باتت تشكل نوعاً من المرض.. مما حمل أحد المفكرين الفرنسيين أن يكتب عنه كتاباً خاصاً وضع له العنوان التالي: "السأم" وأكد هذا المفكر على أن الضجر أو السأم أو الملل، أصبح من الأمراض التي تلازم الإنسان، وترافقه في حله وارتحاله، وتشاركه في طعامه ومأكله وملبسه وأضاف هذا المفكر بقوله: إن السأم بات يندرج في عداد الأمراض النفسية لهذا العصر، بشكل جعل الكثيرين من الشباب وخاصة في أميركا وأوروبا يلتمسون الهروب منه، عن طريق اللجوء إلى استعمال مختلف العقاقير، وهذا بالطبع أسلوب سلبـي لمعالجة مرض السأم...
كما أن العاديين من الناس لا يعرفون المكوث في مكان واحد، أو في بلد واحد، ولمدة طويلة.. فإن مكثوا زحفت عليهم جرثومة السأم ولسعتهم في نفوسهم، ودفعتهم إلى تغيير المكان والهروب منه، والبحث عن مكان آخر، للالتقاء بأناس آخرين، ومشاهد ومناظر أخرى وبات تغيير المكان، هو العلاج الوحيد الذي يعتمدونه، ويسألون عنه، ويهرعون إليه، ويتمسكون به.. إن الإنسان المصاب بمرض السأم، الإنسان الملول، بات مطارداً من شبح السأم، ومحاصراً من زبانيته أينما سار، وحيثما وقف.
بعد هذا العرض ثمة سؤال يطرح نفسه كيف السبيل إلى التحرر من أخطبوط "السأم".
أقول وأنا أستعير الوصفة الطبية التي عرضها في كتابه المفكر الفرنسي. صاحب كتاب "السأم".. إذ قال: إن التحرر من السأم تحرراً كاملاً يدخل في باب المستحيلات من الأمور، وهو ليس بالأمر السهل، وخاصة في عصرنا الحاضر، ولكن هناك طريقة يمكن أن تخفف من حجم السأم وتمتص شيئاً من ثقالة دمه هذه الطريقة هي "القناعة".. والوصول إلى القناعة لا يتم إلا بالعودة إلى تقوية الوازع الديني في الإنسان وتعزيز مساحة الإيمان من نفسه.. إن تقوية الوازع الديني وتعزيز مساحة الإيمان هو السبيل الوحيد للتخفيف وليس للقضاء عليه..
لذا إن الهدف هو تخفيف حجم "السأم" والضجر، والملل.. وهي الكلمات التي تفيد معنى واحداً.. وليس هناك حل آخر، وإلا فسيظل إنسان هذا العصر فريسة لوحش السأم يطارده في مأكله وملبسه، وتنقلاته وإقامته، ونومه..
فانظر عزيزي القارئ إلى حجم هذا السأم الذي يطاردك لتتصدى له بإيمانك وقناعتك في الحياة..