لطالما ردد مسؤولو "حزب الله" كلاما مفاده أن السيد حسن نصر الله لا يطلق وعداً إلا ويفي به، إن لجهة التصدي لأي عدوان إسرائيلي والقضاء على الإرهاب في الجرود على الحدود اللبنانية – السورية، أم لجهة إقرار قانون انتخابي جديد على أساس النسبية. فرغم التعديلات التي طرأت على تقسيمات الدوائر، واعتماد الصوت التفضيلي ضمن القضاء، فإن حزب الله يرى أن نتائج الانتخابات النيابية التي حققها مع القوى الحليفة والصديقة له شكلت "انتصارا" سياسياً ومعنويا لخيار المقاومة الذي يحمي سيادة البلد. فتركيبة المجلس النيابي الجديد حققت ضمانة وقوة كبيرتين لحماية خياره الإستراتيجي ولحماية معادلة الجيش والشعب والمقاومة.
في ذكرى التحرير في 25 أيار الماضي أكد السيد نصر الله "الوفاء بالوعود، وخاصة ما يتعلق بمكافحة الفساد ووقف الهدر المالي"، داعياً إلى "خوض معركة وطنية ضد الفساد، لا أن تكون معركة طائفية أو حزبية"، كاشفا عن "تشكيل قيادة حزب الله ملفا لمكافحة الفساد، وتعيين لجنة له وبإشرافه وسيكون معنيا بالتخطيط والتواصل مع الحلفاء وبمواكبة هذا الأمر مع الحلفاء والأصدقاء، وحتى مع الذين نختلف معهم في قضايا معينة إقليمية، ولكن يمكننا العمل سويا لمكافحة الفساد ووقف الهدر المالي"، معلنا عن اختيار النائب حسن فضل الله لمتابعة هذا الملف.
عوّل كثيرون بعد كلام السيد نصر الله على تصميم حزب الله على مكافحة الفساد لكونه من القلة القليلة في لبنان التي لم تنغمس في ما لذ وطاب من سرقات وسمسرات وصفقات.
تعاطى الرأي العام بترقب لخطوات حارة حريك. بيد أن الواقع يشي بغير ذلك حتى الساعة. لقد مضى نحو ثلاثة اشهر على إعلان السيد نصر الله من دون أن يسجل عملياً أي تطور في هذا الشأن. ومع ذلك تضج مواقع التواصل الاجتماعي بتعليقات تعلق امالاً كبيرة على قدرات الحزب في التصدي للانحرافات الإدارية والوظيفية والتنظيمية في مؤسسات الدولة والتركيز على الإصلاح الإداري ومشاركة المعنيين في وضع سياسات اقتصادية والتغيير في السياسات المالية والنقدية.
لقد أكد الأمين العام لحزب الله في ذكرى انتصار تموز 2006 أن "ساعة الانطلاق في محاربة الفساد هي ساعة تشكيل الحكومة، والمفصل يبدأ عند تشكيل حكومة قادرة على اتخاذ القرارات نحن ما زلنا عند التزاماتنا. لدينا هدف هو تخفيف أو وقف الفساد ووقف الهدر المالي ولدينا منهج ورؤية ونحن لا نسعى للانتقام من أحد ولا فتح مشكل مع أحد، ولدينا استراتيجيات وتكتيكات واضحة وقد لا نعلن عنها واتفقنا مع حلفائنا أننا سنتعاون لمكافحة الفساد ولذلك لا يجب المسارعة لمحاسبتنا ولا يمكن لأحد أن يفرض رؤيته علينا".
ما تقدم، أوحى بحسب المراقبين، وكأنه خطوة تراجعية إلى الوراء، وان حزب الله بدأ وضع القيود على مكافحته الفساد في علاقته وتحالفاته السياسية.
والسؤال المطروح، ماذا يبقى عندئد من مكافحة الفساد؟ هل يحصر حزب الله مكافحة الفساد بالقوى غير المحكومة بقيد سياسي اسمه تحالف 8 اذار، ويصب تركيزه على تيار المستقبل وبعض القوى السياسية في 14 آذار؟ وهل سيعتمد سياسة التراضي في مكافحة الفساد، والتي تحكم النظام في لبنان؟
هل سيكون حلفاء حارة حريك من دون استثناء خارج دائرة الاستهداف في حال ارتكبوا مخالفات تتصل بسرقة المال العام وتمرير الصفقات على حساب المواطن وخدماته ووظائفه في الدولة وصحته وتعليمه؟ أم أن الحزب اتخذ بالتنسيق مع حلفائه قراراً بمكافحة الفساد ذاتيا، بمعنى أن حارة حريك ستلجأ إلى معالجة أي ملف يتصل بحلفائها بالتفاهم والمراجعة البعيدة عن وسائل الاعلام؟
وبانتظار أن تتشكل الحكومة العتيدة وتتضح استراتيجية حزب الله في الأسابيع أو الأشهر المقبلة، فإن نيات حزب الله بمحاربة الفساد، قد تواجه مقاومة شرسة من أقرب الأقربين. فأحد قياديي حزب الله همس في إحدى الجلسات أن جهد حزب الله لن يأتي على ما ارتكبه حلفاؤه خلال الحقبة الماضية على الاطلاق، وبالتالي فان المقاومة ستكون امام تحد كبير، في تصدي لمخالفات وتجاوزات حلفاء وحدة الحال، لا سيما أن بيئتها الحاضنة على وجه الخصوص، تنتظر الخطوات التنفيذية لتبني على الشيء مقتضاه في السنوات المقبلة.