لن ينتظر رئيس الجمهورية العماد ميشال عون إلى ما بعد الأول من أيلول ليبق بحصة حول من يعرقل تأليف الحكومة، ومن يريد من وراء ذلك استهداف العهد. وبالتالي فإن ما بعد 1 أيلول لن يكون كما قبله، إذا بقيت المراوحة تلف الملف الحكومي. فالرئيس عون سيلجأ بحسب المعنيين، إلى خطوات ستكون ضمن الدستور ولا تشكل خرقاُ له أو لاتفاق الطائف.
تبقى الخطوات التي قد يتخذها رئيس الجمهورية في حال استمر تعثر التأليف ملكه وحده، يقول الخبير الدستوري الدكتور عادل يمين لـ "لبنان24"، مع تسجيله في إطار التقصي عن الأوراق الدستورية و السياسية الممكن أن يستخدمها الرئيس، احتمالات عدة:
1- من الممكن أن يتوجه رئيس الجمهورية برسالة مباشرة ومتلفزة إلى اللبنانيين يعرض أمامهم أزمة تأليف الحكومة ومواقف الأطراف وأسباب العرقلة ومفتعليها ويسمي الأشياء بأسمائها ويناشد المعنيين الامتناع عن اعتماد معايير مزدوجة أو السعي إلى احتكار تمثيل طائفة والإحجام عن وضع المطبات في مسيرة النهوض، ويكون للرسالة الأثر المعنوي الكبير.
2 - يعود لرئيس الجمهورية عملاً بالفقرة 10 من المادة 53 من الدستور أن يتوجه برسالة إلى مجلس النواب، واستنادا إلى المادة 145 من النظام الداخلي للمجلس النيابي يمكن أن تكون مباشرة او بواسطة رئيس البرلمان، وفي الحالين ينعقد خلال ثلاثة أيام، وفي الحالة الأولى ترفع الجلسة لمدة 24 ساعة وتستأنف بعدها الجلسة لمناقشة مضمون الرسالة واتخاذ الموقف أو الإجراء او القرار المناسب ، وفي الحالة الثانية يتم ذلك في الجلسة عينها. من هنا، يمكن لرئيس الجمهورية أن يتوجه برسالة إلى البرلمان يعلمه بموجبها بأن عملية تأليف الحكومة متعثرة وقد يضمنها الأسباب ويحدد المسؤوليات، فيكون أمام البرلمان حتى ولو لم يكن من نص صريح أن يتخذ الموقف اللازم من التكليف بصفته المصدر الأساسي له كون رئيس الجمهورية سمى رئيس المكلف استنادأ إلى استشارات نيابية ملزمة.
3 - يقف الجميع عند عدم وجود مهلة صريحة في الدستور أمام رئيس المكلف للقول بعدم إمكان رئيس الجمهورية ولا البرلمان القيام بأي شيء لإخراج البلاد من المأزق في حال استمر تعثر التأليف واحجم الرئيس المكلف عن الإعتذار، ولكن هذه المقاربة بحسب يمين، غير دقيقة، فغياب نص صريح لا يعفي المعنيين من الإجتهاد لحل الأزمة.
وبالتالي، بامكان البرلمان، كما يؤكد الخبير الدستوري نفسه، أن يجيب على رسالة الرئيس بإصدار توصية يطلب منه سحب التكليف. فيصدر بيان رئاسي في هذا الاتجاه، يدعو الرئيس من خلاله إلى استشارات نيابية جديدة لتسمية رئيس حكومة مكلف.
وتستند الخطوات المذكورة، وفق يمين، إلى جملة معطيات:
1 - أننا في نظام برلماني حيث الشعب مصدر السلطات والبرلمان أم السلطات وهو المصدر الأساسي لاختيار رئيس الحكومة المكلف ولاحقا هو صاحب الإختصاص في منح الحكومة الثقة أو حجبها وهو قادر على فعل ذلك في أي وقت. فبألأحرى أن يكون قادرأ على سحب دعم ترشيح الرئيس المكلف كما كان مختصأ بدعم ترشيحه عملأ بمبدأ موازاة الأصول ويمكن أن يحصل ذلك خلال استشارات مباشرة يجريها الرئيس.
2 - عدم وجود مهلة في الدستور بتأليف الحكومة لا يعني أن المهلة مفتوحة بلا حدود بل يعني أنه يتعين إنجاز التأليف بدون إبطاء.
3 - عدم وجود مهلة صريحة لا ينفي مبدأ المهلة المعقولة المضمرة وإلا يكون البعض يفترض خلافأ الحقيقة أن الدستور أجاز تعطيل السلطات.
4 - غاية التكليف هي التأليف لنيل الثقة من البرلمان فإذا بادرت الأكثرية النيابية وأعلنت نيتها حجب الثقة عن الحكومة التي يسعى الرئيس المكلفإلى تأليفها فتكون قد سقطت غاية التكليف.
5 - يستطيع أن يطلب الرئيس من أحد النواب التقدم باقتراح معجل مكرر لتعديل النظام الداخلي للمجلس النيابي من أجل تضمينه نصاً باعتبار التكليف ملغياً وكأنه لم يكن في حال عدم صدور مراسيم تأليف الحكومة خلال شهرين.
6 - يستطيع الرئيس إذا شاء أن يطلب من الرئيس المكلف اقتراح الصيغة الحكومية التي يريدها الأخير ويوقع على مرسوم تأليفها مع إعلانه أنه غير مقتنع بها وأنه وقع مرسومها ليترك للأكثرية النيابية أن تقرر مصيرها فتحجب الأخيرة الثقة عنها وتعاود الاستشارات النيابية لتسمية رئيس مكلف جديد ولكنه خيار غير مثالي ويحب عدم اللجوء إليه إلا في حال الاضطرار.
وسط ما تقدم من تصور يعبر عن وجهة نظر تؤيد ما سيقدم عليه الرئيس عون، يؤكد الخبير القانوني والدستوري الوزير السابق بهيج طبارة لـ"لبنان24" أن الدستور اللبناني صريح وواضح وينص على أن الرئيس المكلف يجري استشارات نيابية لتشكيل الحكومة ( الفقرة2 من المادة 64) تختلف عن تلك التي يجريها رئيس الجمهورية لتسمية الرئيس المكلف (الفقرة 2 من المادة 53) كونها استشارات غير ملزمة وأن الغرض من هذه الاستشارات هو الوقوف على توجيهات الكتل النيابية ومواقفها بحيث يتمكن من تأليف حكومة تأخذ في الاعتبار الظروف السائدة في البلد وتستطيع الحصول على ثقة المجلس النيابي، مع إشارته إلى أن دستور الطائف لم يعط الرئيس المكلف حق تاليف الحكومة منفردا بل أبقى على دور رئيس الجمهورية في التأليف فنص على أن مرسوم تشكيل الحكومات يصدر بالاتفاق بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، فيوقع رئيس الجمهورية مع رئيس الحكومة مرسوم التشكيل، وفي حال لم يحصل الاتفاق فإن الحكومة لا تتألف.
ويمكن القول، بحسب طبارة، إن مهمة تشكيل الحكومة بعد الطائف، يتولاها شخصان فقط، في حين أن إشراك الكتل النيابية بعد الدوحة في عملية التأليف ادى إلى التأخير في تشكيل الحكومات منذ العام 2008، مع تشديده على أن عدم تحديد مهلة للرئيس المكلف لإنجاز مهمته بتأليف الحكومة، مرده أن التشكيل ليس عملاً يقوم به الرئيس المكلف منفرداً لكي يصبح إلزامه القيام به ضمن مهلة معينة، إذ كيف يمكن إلزام الرئيس المكلف القيام بعمل يفترض توافق إرادتين، وكيف يمكن إلزام الرئيس المكلف الذي اختارته أكثرية النواب التنحي في حال عدم موافقة رئيس الجمهورية على التشكيلة التي يقترحها، وماذا إذا أصرت أكثرية النواب على اختيار الرئيس المكلف ذاته بعد تنحيه، هذا في الوقت الذي قصد الطائف فيه تقوية مركز رئيس الحكومة الذي انتقل من كونه الأول بين متساوين إلى وزير اول ورئيس بالفعل للحكومة.
وبالتالي، فإن الحل وفق طبارة، يتمتل بطوي صفحة اتفاق الدوحة والعودة إلى أحكام الدستور واعتمادها نصاً وروحاً في ما خص تأليف الحكومة.