على الرغم من أن الرئيس سعد الحريري لا ينتظر الجواب الرسمي من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون حول المسودة الحكومية التي قدّمها اليه، الاّ أن الأجواء العامة في البلاد والسجالات السياسية التي فتحتها هذه التشكيلة تشير الى أن الأمور عادت الى نقطة الصفر.
وأشارت المعلومات لصحيفة "اللواء" الى أنه يمكن القول ان الأجواء التي أعقبت رفع الرئيس المكلف تشكيل الحكومة، صيغته الجديدة للتشكيلة الحكومية، غير إيجابية بين الرئاستين الأولى والثالثة، بالرغم من محاولة الرئيس الحريري امتصاص ردود الفعل السلبية التي صدرت من فريق العهد، سواء من قبل أوساط بعبدا، أو من "تكتل لبنان القوي" الذي اعتبر التشكيلة "رفع عتب" و"محاولة لاجهاض نتائج الانتخابات النيابية".
بعبدا: هذه هي ملاحظات الرئيس عون
وقالت مصادر قريبة من بعبدا لـ"النهار" إن ملاحظات رئيس الجمهورية لم تأت من عدم لا بل انها ارتكزت على أربعة أسس: العدالة والتوازن وعدم التهميش وعدم طغيان فئة على فئة وان تعكس الحكومة صورة الانتخابات النيابية وفق النظام النسبي الذي يطبق للمرة الاولى. الصيغة التي قدمت ليست متوازنة ولا تعكس الصورة التي أفرزتها الانتخابات النيابية لا بل همّشت افرقاء وقدمت أفرقاء وفرضت بعضهم على أنهم ممثلون وحيدون لطوائفهم. لم تعتمد صيغة المعيار الواحد للتمثيل ولذلك لا عدالة فيها بل خلل في التمثيل.
وردت المصادر على ما نقل عن فريق "المستقبل" أو الرئيس المكلف من أنه لا يحق للرئيس إعطاء ملاحظات وان كل ما يحق له هو الموافقة أو الرفض، وقالت إن صاحب هذا الكلام لا يدرك ما ينص عليه الدستور ولا معنى الصلاحيات الرئاسية المنصوص عليها في الدستور. لكل ذلك أبدى الرئيس ملاحظاته على أمل حصول التواصل والاخذ والرد ويمكن ان يتم التعديل والاتفاق وهذه الصيغة قابلة للنقاش لأن الحريري لم يعتبرها نهائية بل وصفها بالمبدئية ولا رئيس الجمهورية رفضها في المطلق لا بل قال انها مبدئية ويمكن العمل عليها وسنكمل الحوار في شأنها مع الرئيس المكلف.
وتعليقاً على بعض التسريبات التي تناولت ملاحظات رئيس الجمهورية على تشكيلة الحريري والقول انه أقفل اي نقاش فيها، قالت المصادر لـ"الجمهورية" "انّ رئيس الجمهورية كان امس الاول على توافق مع ما قاله الرئيس المكلف نفسه، فهما اعتبرا انّ ما رفعه الحريري هو تشكيلة مبدئية قابلة للبحث في ضوء الملاحظات التي عبّر عنها رئيس الجمهورية، وهي ستبقى قيد البحث ولم يقفل الباب امام اي تعديل يمكن ان يطرأ في ضوء المشاورات والاتصالات المنتظرة".
وفي التفاصيل، أضافت المصادر، انّ التشكيلة افتقدت الى التوازن في توزيع حقائب الخدمات، فأعطت كتلة "الجمهورية القوية" حقيبتين وكتلة "لبنان القوي" حقيبة واحدة على رغم انها تنتشر بنوابها على 15 دائرة انتخابية وتنتشر الأولى على 12 دائرة، وأعطت حقيبة خدماتية لكتلة "المردة" وهي من 3 نواب وواحدة لـ"المستقبل" التي تجمع 19 نائباً. وحرمت كتلة "التنمية والتحرير" من حقيبة خدماتية وأعطتها واحدة سيادية على رغم من انها تجمع 17 نائباً، ولم تعط كتلة "الوفاء للمقاومة" حقيبة خدماتية على رغم انها تجمع 13 نائباً.
وعلى مستوى "وزارات الدولة" فقد تم توزيع 3 منها على كل من السنّة والشيعة والدروز، وأعطت الوزارات المسيحية الثلاث لـ"لبنان القوي" ورئيس الجمهورية وحجبتها عن تكتل "الجمهورية القوية"، وهو ما يعبّر عن حجم اللاتوازن فيها. ولا يخفى على احد انها حصرت الحقائب الدرزية الثلاث بطرف واحد هو الحزب التقدمي الإشتراكي وحجبت الحقائب نهائياً عن السنّة من خارج "المستقبل".
وسألت المصادر: "هل تكفي كل هذه الحقائق لتأكيد أهمية الملاحظات التي أبداها الرئيس وواقعيتها في ظل اعتماد اكثر من معيار للتمثيل وافتقارها الى العدالة والتمثيل الحقيقي؟".
وأوضحت المصادر لـ"اللواء" ان الرئيس عون حدّد ملاحظاته على الصيغة باعتباره شريكا اساسياً في تأليف الحكومة بحسب الدستور، كما ان الحكومة التي يعمل على تشكيلها ستكون قائمة في عهده، ولذلك كان من الطبيعي إبداء هذه الملاحظات والدعوة إلى الالتزام بمعايير التأليف، وأكدت ان الرئيس عون لم يرفض الصيغة، لأنه لو فعل لقال ذلك، لكنه كانت لديه وجهة نظر من خلال ملاحظات تركزت على خلو الصيغة من المعايير التي تحدث عنها في خطاب عيد الجيش لجهة عدالة التمثيل وعدم التهميش وان تكون حكومة وفاق وطني تعكس نتائج الانتخابات النيابية فضلا عن احترام الاحجام.
وأكدت المصادر انه على الرغم من هذه الملاحظات والتي وصل صداها إلى "بيت الوسط"، فإن التشاور سيبقى سيّد الموقف من أجل العمل على إزالة القسم الأكبر من الثغرات، مكررة القول بأن الصيغة مبدئية وقابلة للتطور.
وتوقعت ان يجري الرئيس المكلف، انطلاقاً من هذه الملاحظات اتصالاته من أجل إعادة ترتيب الصيغة والاتيان بأخرى إلى رئيس الجمهورية الذي يملك الحق في إبداء رأيه، ومن هنا استغربت المصادر ما صدر، من كلام عن عدم صلاحية رئيس الجمهورية في تقديم ملاحظاته، معتبرة ان هذا الكلام صدر عن أشخاص لا يُدركون ما ينص عليه الدستور الذي يعطي الحق للرئيس بأن يكون شريكاً في السلطة التنفيذية، علماً ان الدستور، ينص على أن رئيس الجمهورية يلي الاحكام ولا يحكم.
القوات: الأمور وصلت الى حائط مسدود
وقالت مصادر "القوات اللبنانية" لـ"النهار" إن الأمور وصلت إلى حائط مسدود، ولا يجوز إخفاء الحقيقة على الناس، فلا حكومة في الأفق والفراغ سيد الموقف حتى إشعار آخر، لأن هناك من يراهن على شيء لا ندركه ولا نعرفه، ولكن جل ما نعرفه انه يريد تشكيل حكومة غالب ومغلوب، حكومة تحجم "القوات" أو تقصيها، حكومة تحجم "الإشتراكي" أو تقصيه، وهذه المحاولات لن يكتب لها النجاح، ومواصلة السعي في هذا الاتجاه سيبقي الحكومة عالقة في عنق زجاجة التحجيم والإقصاء.
وحذرت المصادر من مواصلة النهج نفسه الذي قد ينقل البلاد من أزمة حكومية إلى أزمة كيانية، ومؤشرات الانزلاق إلى أزمة كهذه بدأت تطل برأسها في أكثر من مكان، من الصدام مع الطائفة الشيعية تحت عنوان تكسير الرؤوس، إلى الصدام مع الطائفة السنية تحت عنوان إعادة النظر في الصلاحيات وتكريس أعراف جديدة، إلى الصدام مع الموحدين الدروز تحت عنوان الميثاقية الذي لم يكن مطروحاً في أي يوم من الأيام، إلى الصدام مع جزء واسع من المسيحيين من أجل تكريس أحادية أسقطتها الانتخابات.
قالت مصادر "القوات اللبنانية" لـ"الجمهورية": "مع ولادة الحكومة وفق الصيغة التي قدمها الرئيس المكلف وهي صيغة متوازنة جداً، وبدل الذهاب نحو انفراج سياسي، شهدنا تدحرجاً سياسياً لا نتمنّاه إطلاقاً وهو كان متوقعاً، لأنّ رفض الصيغة سيأخذ البلاد الى مزيد من الانكشاف السياسي في ظل غياب اي تصور لطريقة ولادة الحكومة.
وتابعت المصادر: "صيغة الحريري أتت نتيجة مشاورات مكثفة وهي تعكس نتائج الانتخابات وواقع الحال السياسي، فيما رفضها يعيد الامور الى المربّع الاول الذي كانت عليه، اي محاولة تحجيم الحزب "التقدمي الاشتراكي" و"القوات"، وقد أظهرت هذه السياسة على مدى الاشهر الثلاثة السابقة انها لن تؤدي الى ولادة الحكومة. وبالتالي، الاستمرار في النهج نفسه لن يؤدي الى التشكيل، بل ستبقى الامور على ما هي عليه، لأنّ من يظن انّ في استطاعته تحجيم "القوات" او إحراجها لإخراجها هو مخطئ، ومن يظن ان في استطاعته دفع الحريري الى تأليف حكومة من دون الأخذ بوجهة نظر "القوات" و"الاشتراكي" مخطىء، ومن يعتقد انّ في استطاعته جَرّ الحريري الى "حكومة أمر واقع" أو دفعه الى الاعتذار مخطىء أيضاً. لذلك، امام كل هذه الوقائع وتجنّباً لانتقال الأزمة من أزمة تأليف الى ازمة كيانية وطنية يجب ان يبادر فخامة الرئيس الى وضع حد لكل النقاش الدائر، وان يوافق على الصيغة التي قدمها الحريري وهي صيغة تعكس واقع الحال السياسي والتوازنات والاستفادة من الدينامية الانتخابية التي أفرزتها الانتخابات، لكننا للأسف نفوّت الفرصة تلو الأخرى. لكن اليوم وصلت الامور الى حائط مسدود، ويمكن ان يستمر الوضع على هذا المنوال لأشهر، لأنه لا يوجد اي حل، ومن يراهن على الوقت لا نعتقد انه سيصبّ في مصلحته لأنّ الامور مقفلة وكل السياسات التحجيمية جرّبت وأصابها فشل ذريع ولن تؤدي الى اي مكان. المطلوب هو الاقلاع عن محاولة تأليف حكومة "امر واقع" وحكومة "غالب ومغلوب"، والاتجاه الى حكومة شراكة حقيقية وفق الصيغة التي قدمها الرئيس المكلف. و"القوات" لا يمكنها تقديم اكثر مما قدمته وفق المعروض في الصيغة الحالية، وبالتالي يجب تلقّف فرصة ما وصلت إليه "القوات"، واي محاولة اضافية للضغط عليها ستدفعها الى مراجعة حساباتها بالعودة الى المربّع الاول، بالمطالبة بما يحق لها فعلياً من 5 وزراء وحقيبة سيادية".
بري: المطلوب التضحية
في هذا الوقت، أكد رئيس المجلس النيابي نبيه بري، لـ "الأخبار" أن لا علم له بالصيغة الوزارية التي حملها الرئيس المكلف سعد الحريري إلى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، أول من أمس، وقال إنه ليس شريكاً فيها، بل شريك في كل ما من شأنه ولادة الحكومة في أسرع وقت ممكن، من أجل التصدي للملفات المطروحة، وفي الأولوية منها الملف الاقتصادي والمالي.
وعلّق برّي على نتيجة اللقاءات التي عقدها الحريري والصيغة التي تقدم بها إلى رئيس الجمهورية بالقول إن "الوضع غيرُ مشجّع". واعتبر أمام زواره أمس أن "المطلوب من الآن فصاعداً أن يُضحي كل واحد. وأقصد الجميع دون استثناء لمصلحة الوطن".
أما في ما يتعلق بالعمل التشريعي، فقد قال برّي: "أنا أفصل بين الموضوع الحكومي وبين انعقاد جلسات المجلس". وأضاف: "أنتظر انتهاء اللجان النيابية المشتركة من القوانين التي تناقشها، وسأدعو إلى جلسة عامة في غضون ثلاثة أيام بعد إنجاز المشاريع".
استياء دولي من تأخير الحكومة
وفي ظل هذه الاجواء تبلغت المراجع المعنية بالتأليف أمس أنّ الدستور اذا كان لا ينصّ على مهلة محددة لتأليف الحكومة، فإنّ وضع لبنان اصبح خارج المهل لإنقاذه. وفي هذا السياق، علمت "الجمهورية" انّ مراجع ديبلوماسية مهمة أبلغت الى بعض المسؤولين هاتفياً انزعاج الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الأميركية وحتى الأمم المتحدة من الوضع اللبناني السائد، وانه في حال استمرار الجمود الحكومي فمن المرجّح ان تحوّل المساعدات التي رُصدت للبنان الى دول أخرى.
وأشارت المصادر لـ"الشرق الأوسط" إلى أن مسؤولين أميركيين أبلغوا قيادات لبنانية أن أي زيادة لنفوذ الحزب في الحكومة سوف تواجه بمقاطعة أميركية شاملة وبعقوبات على المؤسسات التي يتزايد فيها نفوذ الحزب، ووقف للمساعدات المقررة للجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية الأخرى.
وقالت المصادر إن الضغوط الأميركية ستؤدي تلقائيا إلى وقف مساعدات لوزارة الصحة قيمتها نحو 150 مليون دولار، كما قد تؤدي إلى ضغوط أميركية على دول غربية ومنظمات دولية لوقف أي تعاون مع الوزارة.
وفيما لم يصدر عن السفارة الأميركية أي تعليقات بهذا الشأن، تقول مصادر لبنانية إن موقف السفارة الرسمي الذي تم إبلاغه للمسؤولين اللبنانيين لم يتغير عن الحكومات السابقة، وهو أن الأميركيين سوف يوقفون تلقائيا التعاون مع أي وزارة يشغلها عضو من «حزب الله» المصنف إرهابيا في الولايات المتحدة.