ليس خافياً انّ اسلوب جعجع في التعاطي مع "حزب الله" بات اكثر مرونة من السابق، وبالتالي فإنّ أدبياته السياسية في هذا المجال أصبحت اقلّ حدّة قياساً على قاموس المرحلة الماضية، كما اتّضح من خطاب الأحد الماضي، لكنّ الأكيد أنّ هذه الليونة لم تتجاوز بعد سقف "السلوك التكتيكي"، في ظلّ استمرار الخلاف الاستراتيجي المستحكم بين الجانبين حول قضايا حيويّة تبدأ من سلاح المقاومة ولا تنتهي عند طريقة مقاربة تحدّيات المنطقة.
ومن المعروف انّ كلّاً من "الحزب" و"القوات" ينتمي الى محور اقليمي في مواجهة المحور الآخر، ربطاً بتحالفات وخيارات متعارضة كلياً، ما يعني انّ هامش التلاقي بينهما ليس واسعاً الى الحدّ الذي يسمح بانجاز تفاهمات سياسية عميقة في هذه اللحظة. أقصى ما يمكن افتراضه هو نوع من "ربط النزاع" الذي يعتمد على التحييد النسبي للملفات الخلافية الاستراتيجية ومحاولة إيجاد تقاطعات حول مسائل داخلية، من قبيل التعاون في مكافحة الفساد ضمن مؤسسات الدولة التي تجمعهما، وتحديداً مجلسي النواب والوزراء.
وهناك من يتوقع تعزيز التواصل بين الطرفين على مستويي السلطتين التنفيذية والتشريعية في المرحلة المقبلة، تحت سقف القضايا التي تهمّ الناس وتحاكي همومهم، ما دام ايّ تفاوض سياسي حول المسائل الكبرى لن يصل الى نتيجة في الوقت الحاضر.
وما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق، انّ "حزب الله" كان قد أعطى سابقاً أكثر من إشارة الى واقعيّته في التعامل مع "القوات"، سواء لناحية الإقرار بحجمها التمثيلي، أو لناحية التشديد على ضرورة تأليف حكومة وحدة وطنية، تضمّ الجميع ولا تستثني أحداً. لكنّ "الحزب" لا يتوهّم في الوقت ذاته انّ هناك فرصة حقيقية حاليّاً للذهاب أبعد من هذا المقدار من البراغماتية، خصوصاً انّه لم يلمس بعد وجود أيّ تغيير في جوهر خيارات جعجع المعترض على بقاء سلاح المقاومة وتدخّل الحزب في سوريا.
وعلى قاعدة البراغماتية التي تتحكم بقواعد التعاطي بين "حزب الله" والقوى المعترضة على نهجه، عُلم انّ الرئيس سعد الحريري الذي وصل الى لاهاي أمس لحضور جلسة المحكمة الدولية، بَعث - بعد تحذير السيد حسن نصرالله من اللعب بالنار- رسالة عبر أقنية خلفية الى قيادة الحزب مفادها: «طوّلوا بالكم.. أنا أعلم انّ البلد لا يُبنى إلّا معكم وانّ الحكومة لا تتشكّل من دونكم»..