أعلن نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة العامة غسان حاصباني أن "لبنان هو من بين الدول الأقل إنفاقا على القطاع الصحي لكنه يحتل المركز الأول من حيث الخدمات الطبية في المنطقة كلها، لكننا لا نستطيع المحافظة على هذا المركز من دون موازنات ومن دون تركيز على تطوير السياسات الاقتصادية والاجتماعية".
وقرع حاصباني ناقوس الخطر في ملف الأدوية، وقال: "علينا الانتباه إلى أن ملف الدواء هو ملف آني وعاجل وحيوي ولا نستطيع أن نخاطر بحياة الناس بسبب الخلافات السياسية. الأولوية بالنسبة لنا في الوزارة هي خفض كلفة الدواء، وقد خفضنا 65 في المئة من الاستثناءات التي كانت تحصل في إعطاء الأدوية للمرضى، ولكن ثمة أدوية جديدة كلفتها أعلى بكثير من الأدوية القديمة، بينما موازنة الأدوية لم ترتفع لهذا نسجل عجزا باستمرار، ولأن هذا الأمر لا يستطيع الانتظار، تم تقديم اقتراح قانون معجل مكرر من كتلة "القوات اللبنانية" لزيادة بند الدواء ضمن الموازنة وهو أمر أجمع عليه النواب من كافة الكتل النيابية، ويجب تمرير هذا القانون في أول جلسة تشريعية، أو أن يتم تأمين إحتياطي من وزارة المالية لسد جزء من العجز، وفي حال لم يتم التعامل مع هذا الملف بمسؤولية وسرعة، سنكون أمام حالة إنسانية واجتماعية خطيرة".
أما عن إنجازات الوزارة، والآراء التي تم تداولها خلال اجتماعات نيويورك حول الصحة في لبنان، فقال في لقاء مع مجلة "الاقتصاد والأعمال" : "تمكنا من إنجاز الكثير من المشاريع بموارد شحيحة، فموازنات الوزارة لم تكن كافية، لكن تضافر قوى القطاعين العام والخاص مكن من تحقيق تقدم في عدد المشاريع كما مكن لبنان من التفوق في مجالات صحية عدة، كما تمكنا من خفض عجز موازنة أدوية الأمراض المستعصية والمزمنة من 84 مليار ليرة العام 2016 إلى ما بين 35 و40 مليار، ولكن لا نستطيع أن نتخلص من هذا العجز لأن ثمة 25 ألف مواطن يستفيدون من موازنة هذه الأدوية، كما إن الضمان الاجتماعي لا يقوم بتغطية كل أنواع الأدوية. وغني عن القول، إن وزارة الصحة لا تستطيع تغطية غياب الضمان في هذا المجال، وفي هذا الوقت، ترتفع كلفة الاستشفاء بالتوازي مع ارتفاع عدد السكان وتطور الطب وقدرته المتزايدة على اكتشاف الأمراض بالإضافة إلى انتشار التلوث، كذلك ترتفع كلفة الكشف عن الأمراض بسبب توفر الأجهزة والمعدات المتطورة. ولهذا، فإن السقوف المالية التي وضعناها للمستشفيات لم تعد كافية، خصوصا وأن عدد بطاقات دخول المستشفيات التي غطتها الوزارة بلغ نحو 380 ألفا العام 2017.
"ملف البيئة لا يراعي الاستدامة"
وأكد "أن المجال البيئي، يشكل ركيزة محورية ضمن عناصر الاستدامة، وهذا ما قلناه ولمسناه في اجتماعات نيويورك. أداء لبنان في الملف البيئي ليس جيدا، خصوصا في ما يتعلق بالنفايات لأن الحلول التي يتم طرحها غير مستدامة، وهذا أمر ينبغي أن نوليه المزيد من الاهتمام للخروج بحلول لديها مقومات الاستمرارية، خصوصا وأن لهذا الملف تداعيات على مجالات أخرى كالصحة والسياحة وغيرهما، وعلى المدى البعيد ثمة تأثيرات كبيرة لأزمة النفايات. من جانب آخر ثمة بنى تحتية ومرافق عدة تحتاج إلى استثمارات على المديين القريب والبعيد. ومن خلال ترؤسي اللجنة المخصصة للمشاريع الانمائية للمحافظات، كنائب رئيس حكومة، إطلعت على الحاجات والمشاريع الرئيسية للبلديات في لبنان، وتم في تلك المرحلة تجميع كل المشاريع المطلوبة، بالإضافة إلى الأولويات والمشاكل، وتبين معنا في تلك الفترة أن واحدة من أولى الأولويات هي مسألة المياه النظيفة. واتضح أن لبنان لا يعالج أكثر من 15 إلى 20 في المئة من المياه الآسنة، والباقي يعود إلى الطبيعة. ومن المعروف أن الصرف الصحي في لبنان يحتاج إلى استثمارات هائلة. ولا يتوقف الأمر هنا، إذ إن النفايات والصرف الصحي يضافان إلى مشكلة المقالع والكسارات التي تلعب دورا رئيسيا في تدمير كامل منظومتنا البيئية والتي لا تراعي عناصر الاستدامة نهائيا، لكن تبقى النفايات هي التهديد الأكبر لبيئتنا، إذ بحسب "هيومن رايتس ووتش" ثمة أكثر من 170 موقعا في لبنان يحرقون النفايات في الهواء الطلق بشكل أسبوعي، وهذه المواقع هي مسببات مباشرة للسرطان، لأن حرق النفايات يطلق مواد مسرطنة يتنشقها السكان في الهواء، وهذه المحارق تهدد سلامة المواطنين وصحتهم بشكل مباشر. ونعتقد أن الحلول التي يتم طرحها للتعامل مع أزمة النفايات يجب أن تراعي هواجس الناس، مع العلم أن رفض الناس لبعض الحلول يأتي في وقت لا ينتبهون فيه إلى أن ما يجري حاليا من حرق في مناطق مختلفة يسبب لهم أذية تفوق الأذية الناتجة عن أي إجراء آخر. طرحنا يتلخص بإيجاد إطار يضم المجتمع المدني والإدارات الخاصة بالرقابة الدائمة على أي حلول سواء كانت مطامر أو تفككا حراريا، وأن يتم وضع نظام يتضمن غرامات مباشرة وتلقائية على من يخالف المعايير البيئية والصحية. ولأن الثقة مفقودة حاليا بين المواطن والدولة يجب أن تراعي الهواجس وتطمئن إلى وجود معايير ومواصفات لأي حل يتم تنفيذه. لكن في المقابل لا يمكننا أن نوقف العمل والحلول لأن الثقة مفقودة، والرقابة يمكن أن تتم من خلال البلديات وممثلي المجتمع المدني والإدارات المختصة".
وأضاف: "إذا أردنا حلولا مستدامة، لا يمكن أن نعتمد نوعا واحدا من الحلول لمعالجة مشكلة النفايات، إذ كل أنواع الحلول المطروحة تكمل بعضها بعضا. يجب أن يتكامل الفرز مع موضوع اللامركزية، لكن في بلد مثل لبنان لا تستطيع أن توسع من تطبيق اللامركزية في معالجة النفايات، وإلا وقعنا في مشكلة رفع التكاليف. ثانيا، كلما تعددت المراكز كلما واجهنا مشاكل أكبر في توفير الرقابة الضرورية، والعبرة في التنفيذ".
وتناول ملف الاتصالات والكهرباء، فقال: "الاستدامة والتنمية الصحيحة في ملف الاتصالات تستدعي الاستفادة مثلا من قانون تنظيم القطاع الرقم 431، وهو ما سيمكننا من استقطاب استثمارات بمليارات الدولارات خصوصا وأن أصول قطاع الاتصالات النقالة المتوفرة للبيع عالميا باتت نادرة، والأصول الموجودة تتعلق بشركات قائمة وفاعلة وتدر أرباحا كبيرة. وإذا طبقنا القانون 431 يمكننا أن نرفع عبء إدارة الدولة للبنية التحتية المتعلقة بالاتصالات، والتعامل مع الشركات الخاصة التي تستطيع ضخ مليارات الدولارات إلى الخزينة وتفعيل هذه البنى وتشغيلها وتحقيق استقرار في عائداتها وتعظيم استفادة الاقتصاد اللبناني منها. ويمكن الاستفادة من الأموال التي ستحققها هذه الأصول بتسديد جزء من الدين العام، وتخصيص جزء آخر من الأموال للإستثمار في المشاريع التي أمنا لها قروضا دولية وما زالت تحتاج إلى جزء متوجب على الدولة اللبنانية".
أما عن تحقيق الاستدامة في مشاريع وحلول قطاع الكهرباء فقال: "يجب إلغاء الحاجة إلى الدعم من خلال تحسين إنتاج الكهرباء عبر معامل دائمة وتطوير الشبكة لتخفيض الهدر الكهربائي وتعزيز الجباية، وعندما تصبح التغذية الكهربائية على مدار الساعة نستطيع تعديل التعرفة لكي نحقق اكتفاء ذاتيا كاملا. وفي هذا المجال، يمكننا الاستفادة من القانون الذي ينظم العلاقة مع القطاع الخاص ومن المفترض أن ننشئ هيئة ناظمة. لكن السؤال الآن، لماذا نركز منذ نحو عام على الحلول المؤقتة للكهرباء وغيرها من الحلول غير المستدامة، بينما الحل الدائم لا يحتاج تنفيذه إلى أكثر من سنتين بحسب توصيات الشركات العالمية التي أبلغت حكوماتها بالقدرة على تنفيذ مشاريع توليد طاقة كبيرة في لبنان؟. وقد أبلغتنا ألمانيا وفرنسا صراحة بهذا الأمر بعد مؤتمر "سيدر"، ولماذا من أصل 13 مشروعا يشكلون عناصر إصلاح القطاع الكهربائي لا يتم طرح سوى مشروع واحد بشكل دائم وهو متعلق بالحلول المؤقتة المتعلقة بالإنتاج الكهربائي من البواخر؟ ولماذا تأخر الاستشاري (IFC) المكلف بوضع دفاتر الشروط والأطر القانونية والمالية للشراكة وإنشاء المعامل الدائمة منذ العام 2017 ببدء عمله؟ مع العلم أنه يحتاج إلى عام ليطلق المناقصة، كما إننا لم نفهم لماذا تأخر العمل في تطوير معمل الذوق مع العلم أن تمويله موجود؟. ولماذا يتم الاستغناء عن الامتيازات الكهربائية كما في كهرباء زحلة من دون أن يكون ذلك جزءا من خطة متكاملة؟ وهل انتفت الحاجة إلى هذه الامتيازات أم أن الأمر يأتي من ضمن تنفيذ مشروع ليس متفقا عليه ولا هو جزءا من الخطة الأصلية. عندما تطبق أجزاء انتقائية من خطة ما فأنت لا تطبق الخطة المتفق عليها بل تكون في وارد آخر وتعمل على تنفيذ خطة أخرى، كذلك لا يمكنك الانطلاق من مبادئ عقائدية لإدارة الاقتصاد، عندما نقول خصخصة أو شراكة فهذا لا يعني أن القطاع العام فاسد والقطاع الخاص قديس أو العكس، الهدف هو تعزيز الإيرادات في ظل شفافية كاملة بالشراكة مع الشركات العالمية، وهكذا ينخفض تأثير الفساد وتتعزز المنافسة، وبالتالي نخفف الأعباء عن الخزينة وتنصرف الدولة للتركيز على الجوانب الاجتماعية كالصحة التي ترزح تحت عجز دائم".
ورأى أن "الاضطرابات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تختبرها منطقة الشرق الأوسط تستدعي أكثر من أي يوم مضى الحكمة في التعاكل مع شؤون إدارة الدول"، مؤكدا أن "لبنان كما بلدان المنطقة يعيش في زمن يستدعي اتخاذ قرارات صعبة لكنها مفيدة للمستقبل".