لم يتمكن الرئيس المكلف سعد الحريري من تذليل العقبات التي تحول دون عملية التأليف قبيل عودة الرئيس ميشال عون من الخارج، وبالتالي فان أي شيء ملموس لم يبرز بعد في الاتجاهات الايجابية الموعودة. وقد تضاربت المعلومات عن امكان حصول تحركات في الساعات والايام القريبة أبرزها حديث عن لقاء سيجمع الرئيس عون والرئيس المكلف سعد الحريري في وقت قريب جداً لتداول المخارج الممكنة للازمة في ظل السقوف العالية للاشتراطات المتعلقة بالحصص وتوزيع الحقائب الوزارية. وكشفت مصادر مقربة منه لـ"الشرق الأوسط" أنه يعمل على تعديل بسيط للصيغة التي تقدم بها للرئيس عون، من خلال محاولة "تدوير الزوايا"، متحدثة عن "تفاؤل حذر جداً".
وفي تقدير مصادر سياسية لـ"اللواء" ان عودة الرئيس عون إلى بيروت، من شأنها ان تدخل مفاوضات تشكيل الحكومة في مرحلة جديدة، لا تبدو معالمها واضحة، بسبب الغموض الذي ما زال يلف نتائج الاتصالات الأخيرة التي أجراها الرئيس المكلف سعد الحريري، سواء مع رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع أو مع عضو "اللقاء الديمقراطي" النائب وائل أبو فاعور، حول تشكيل الحكومة، بعد التسريبات المتضاربة حول حصص بعض القوى لا سيما المسيحية منها.
وأشارت معلومات لصحيفة "اللواء" الى ان حلحلة طرأت على الوضع الحكومي من خلال الصيغة التي تم تداولها بمنح "القوات" منصب نائب رئيس الحكومة وحقيبتين خدماتية واساسية وحقيبة دولة، وكانت صيغة مقبولة ومعقولة وجرى تفاهم حولها بين الرئيسين عون والحريري، خاصة مع موقف رئيس الحزب التقدمي وليد جنبلاط عن استعداد للتسهيل والتنازل، لكن "القوات" رفضتها، وها هي تتحدث مجددا عن طلب خمس حقائب ما اعاد الامور الى المربع الاول.
وفي هذا السياق، أوضحت أوساط مطلعة لـ"النهار" انه اذا كانت الساعات الاخيرة شهدت تصاعد الكلام لدى بعض المراجع عن حكومة اكثرية كخيار محتمل فان الواقع يؤكد ان لا امكان اطلاقاً لقبول أفرقاء اساسيين بهذا الخيار الذي يعني "حكومة بمن حضر"، مشددة على ان الرئيس المكلف يتمسك بحكومة توافقية، كما ان الثنائي الشيعي نفسه يؤيد حكومة توافقية ولا يماشي خيار حكومة الاكثرية. ورجحت ان يعود الرئيس عون نفسه على رغم تطرقه الى هذا الخيار، الى تأكيد تفاهمه مع الحريري على حكومة توافقية. وادرجت كلامه في اطار ممارسة الضغوط على القوى السياسية لاستعجال عملية دفع تاليف الحكومة بعد عودته من نيويورك.
مصادر بعبدا: آخر الدواء الكي
ورسم الكلام الذي أدلى به الرئيس عون على طريق العودة من نيويورك، الكثير من علامات الاستفهام حول ما قد تشهده الأيام المقبلة على صعيد تأليف الحكومة، الاّ ان مصادر مطلعة على موقف الرئيس عون شددت عبر "الشرق الأوسط" على أن طرحه حكومة الأكثرية ينسجم مع مقولة "آخر الدواء الكي"، لكنه دون شك لا يعتبر أننا وصلنا إلى المرحلة التي تستلزم أن نستخدم فيها الكي، لافتة إلى أن "هذا الخيار يبقى متاحاً في حال إصرار بعض الفرقاء على مطالب غير واقعية وغير منطقية".
وقالت المصادر: "نحن نعول على أن يتحرك الملف الحكومي مجدداً مع عودة الرئيس عون من نيويورك، لكن إذا صح ما يتم تداوله عن عودة القوات إلى نغمة الوزراء الـ5، فذلك يعني أن لا حكومة، فالمنطق يقول إنه لا يحق لهم 5 وزراء، والأمر لا يتطلب أي اجتهاد".
ووفقا لمصدر سياسي مطلع فإن ادخال رئيس الجمهورية عبارة "الاحزاب التي تؤيدني" على كلامه ربما كان للاشارة بأنه لا يستهدف طرفا محددا او اكثر في موقفه هذا.
وحول ما قاله الرئيس عون وابعاده قالت مصادر قصر بعبدا لـ"الديار" ان موقف رئيس الجمهورية هو مع تشكيل حكومة اتحاد او وفاق وطني ولكن اذا لم تؤلف مثل هذه الحكومة هل نترك البلد على هذا الوضع ومن دون حكومة؟ مشددة على ان هذا الكلام ليس موجها لطرف محدد، ولكن اذا لم يقبل هذا الطرف او ذاك يكون قد عزل نفسه.
واكدت مصادر بعبدا ان الرئيس عون "لن يقبل ابدا ان يخالف المعايير التي اتفق عليها لتأليف الحكومة» قاصدة التمثيل النسبي في الحكومة وفقا للتمثيل النيابي من دون زيادة او نقصان واضافت «واهم من يعتقد ان رئىس الجمهورية سيغير او يعدل رأيه".
وحسب المصدر فإن رفض تشكيل حكومة اكثرية هو موضع تفاهم مع الرئيس الحريري الذي اكد ان لا فرصة لمثل هذه الحكومة ولو واحد في المليون.
القوات: لا تنازل بعد اليوم
وقلّل مصدر قيادي في القوات اللبنانية، من أهمية ما يحكى عن صيغة حكومية قدمها الرئيس الحريري لرئيس الحزب سمير جعجع واصفا ما جرى في بيت الوسط بأنه دردرشة حول بعض الافكار ومؤكدا انها تتمسك بما كانت عرضته في السابق لا بل انها ايضا ترى ان حصتها يجب ان تكون خمس وزارات.
واوضح المصدر لـ"الديار" ان الرئيس الحريري حاول قبل عودة الرئىس عون ان يستطلع الاراء والاجواء في هذا الشأن، وان هناك امرين ركزت وتركز عليهما "القوات اللبنانية" وهذا ما تبلغه رئيس الحكومة المكلف من الدكتور جعجع وقبل ذلك ايضاً:
اولا: ان ما وصلنا اليه مؤخراً يعتبر تنازلاً كبيراً من اجل المساعدة في تشكيل الحكومة. والمقصود هنا قبول "القوات" في اخر محاولة بأربع حقائب بينها حقيبتان اساسيتان.
ثانيا: هناك كلام عن محاولة تشكيل حكومة اكثرية وهذا الطرح نعتبره في ظل هذه الظروف الاقتصادية وغير الاقتصادية هو انتحار، وهو لا يستهدف القوات اللبنانية او وليد جنبلاط او المردة بل يخلق مشكلة سياسية تفوق المحظور.
واعتبر المصدر القواتي ان كلام الرئيس عون عن حكومة اكثرية يستهدف القوات وجنبلاط، وان مثل هذا الموقف لا يبشر بالخير، مشيرا الى انه لم يحصل اساس في المداولات خلال الايام الماضية اي تقدم على صعيد حل مشكلة حصة القوات اللبنانية وباقي العقد.
ورغم ذلك قال المصدر ايضا "اننا ما زلنا منفتحون لمناقشة الافكار والصيغ التي تعرض علينا وان الموضوع يتوقف على الطرف الاخر وليس علينا، ونحن مع حكومة وفاق وطني وفق المقبول والمعقول لا على طريقة املاء الشروط وإلاّ..."
الاّ ان لقاء بيت الوسط لم يكتفي فقط بالحديث عن التشكيلة الحكومية العتيدة، بل كشفت مصادر قواتية عبر "الشرق الأوسط" أن الهدف الأساسي من لقاء جعجع - الحريري كان "الطلب من الرئيس المكلف عقد جلسات واجتماعات استثنائية لحكومة تصريف الأعمال، تماشياً مع حالة الطوارئ التي تشهدها البلاد، على غرار ما حصل نيابياً من خلال عقد جلسات لتشريع الضرورة، وكل ذلك بهدف تنظيم الحالة التي نعيشها تجنباً للأسوأ".
ولا يبدو أن اقتراح جعجع سيجد طريقه للتنفيذ، مع انطلاق سجال دستوري حول الموضوع، وإعلان مصدر قيادي في "التيار الوطني الحر" لـ"الشرق الأوسط" رفض هذا الموضوع، جملة وتفصلاً.
السنيورة مع حكومة أقطاب
ودخل الرئيس فؤاد السنيورة على خط الأزمة الحكومة، مشدداً، بحسب ما نقل عنه زواره، ان حكومة الأقطاب كانت هي المخرج في الأزمات المماثلة، والذي يؤدي إلى استعادة الحركة السياسية بشكل طبيعي وإخراج البلد من دوّامة الأزمات التي يتخبّط بها، سواء على صعيد المشكلة الاقتصادية والمالية، أو الحالة التي آلت إليها الدولة من تناثر وتقاسم واستتباع من قبل الأحزاب والميليشيات، أو المشكلات المتآتية من علاقة لبنان مع محيطه العربي والعالم.
وأوضح هؤلاء الزوار، ان حكومة الأقطاب يمكن ان تحقق ثلاثة أهداف سريعة لاستعادة مكانة السلطة داخلياً وخارجياً.
الاول: تحمل مسؤولية السلطة على مستوى أقطاب قادرين على أخذ قرارات سريعة وفورية، وتكون بالتالي حكومة منتجة.
الثاني: باعتبارها خطوة كبيرة لاستعادة الثقة داخلياً وخارجياً لقدرات الدولة وامكاناتها لتحقيق الإصلاحات المنشودة، سواء بالنسبة لتوصيات مؤتمر "سيدر"، أو المؤسسات الدولية الأخرى.
والثالث: احداث صدمة إيجابية تضع حداً للتدهور الحاصل في سمعة الدولة وهيبتها وفعاليتها، بعدما وصلت الأمور إلى هذا المستوى من الهريان.
وأكّد السنيورة، بحسب زواره، لـ"اللواء" ان الأزمة الحالية أكبر من ان تستطيع حكومة عادية من معالجة التراكمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تولدت عنها، لإعادة تصحيح مسار السلطة.
حزب الله: لن نتدخل
في سياق آخر، نفى مصدر في حزب الله عبر "الديار" ان يكون الحزب قد دخل مؤخرا على خط عملية تأليف الحكومة وطرح مقترحات معينة لمساعدة الخروج من المأزق، وقال "نحن من دون ان نتدخل مش خالصين فكيف اذا تدخلنا".