إنه بلد الإشعاع بكل ما للكلمة من معنى، الإشعاع الثقافي، الحضاري، الفكري، الفني، التربوي والإجتماعي، لكنه أيضاً بلد المواد المشعة أو النفايات النووية التي غفلت عنها حركت "طلعت ريحتكن"، وبالتالي لم تدرجها على لائحة مطالبها المحقة في غالبيتها وغير المنطقية في البعض منها.
يتحدث اللبنانيون بإسهاب عن النفايات الصلبة المتراكمة في الشوراع منذ شهر ونيف، وعن الأغذية الفاسدة وقوارض القمح والأدوية المزورة وعفن السكر والمياه الملوثة والتوابل المسرطنة، متناسين خطراً جسيماً يتهدد صحتهم وبيئتهم وطبيعتهم ألا وهو النفايات المشعة التي تعتبر من ملفات الأمن القومي في دول أخرى.
ملف المواد المشعة في لبنان ليس وليد الساعة، إذ أن المعلومات تشير الى وجود عصابات ومافيات تلجأ الى تهريب هذه المواد عبر المعابر غير الشرعية، أو محاولة تمريرها عن طريق المعابر الرسمية بالتواطؤ مع موظفين فيها، أو إستيرادها تحت عنوان "خردة" قالبة للتصدير الى بلدان تعمل على إعادة تدويرها.
اللافت أنه مع اكتشاف هذه المواد لا يحق للبنان إعادة تصديرها لأنها تصبح جزءاً من منظومة اتفاقية منع الإتجار بالمصادر المشعة، التي وقع عليها لبنان، أي أنه يكون لزاماً عليه البحث عن طريقة لتخزينها على أراضيه، علماً أن هناك مواد مشعة محصورة في أمكنة معينة ومخزنة يعتني بها الجيش اللبناني وقيادته.
هل الأراضي اللبنانية خالية تماماً من المواد المشعة؟ أين طمرت في حال وجودها؟
مصادر إعلامية ذكرت منذ مدة أنه في العام 2012 حضر خبراء الى منطقة فاريا- عيون السيمان وهم أعضاء في لجنة تبحث عن النفايات النووية وفحصوا الإشعاع النووي ليتبين أنه موجود في فاريا لناحية البقاع في منطقة تبلغ مساحتها 2 كيلومتر طولاً و3 كيلومتر عرضاً، وترجح الروايات أن هذه النفايات استقدمت من إيطاليا في زمن الحرب اللبنانية وتحديداً في العام 1084، وقد أفيد لاحقاً أن أربع شخصيات من زعماء الأحزاب الكبرى قبضت مبلغ مئة مليون دولار لطمر هذه النفايات في مواقع عدة منها الشمال، جرود كسروان، جرود جبيل، البقاع الغربي وجبال الباروك.
بين حين وآخر، يستفيق اللبنانيون على كارثة المواد المشعة، وهم منذ مدة قصيرة اكتشفوا أنه يوجد في لبنان مركز بحث رسمي يهتم بالطاقة الذرية لا وهو الهيئة اللبنانية للطاقة الذرية التي أنشئت في العام 1966 وهي جزء من المجلس الوطني للبحوث العلمية. وتهدف الهيئة الى إيجاد البنى التحتية اللازمة للوقاية من الإشعاعات في لبنان وتطوير الاستخدمات السلمية للطاقة الذرية، وهي بالتالي تشكل الجهة الرسمية الوطنية في شأن الأمن والامان والطوارىء الإشعاعية وتتعاون مع الادارات الرسمية والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
من مهام الهيئة أيضاً الرقابة الإشعاعية ومسح المواد المشعة والتجهيزات المصدرة والكاشفة للاشعاعات والرقابة في المرفأ والمطار والنقاط الحدودية، إضافة الى الكشف على المواد الغذائية وبعض المعادن المستخدمة في البناء والصناعة التي يستوردها لبنان كما أنها تصدر شهادات تعتمدها الدول المستوردة لدخول البضائع المذكورة الى أراضيها.
خلال عشر سنوات، ضبطت الهيئة 140 حالة تصدير ركام معدني ملوث بمصادر مشعة و30 حالة استيراد لبضائع ملوثة بالإشعاعات، وتعتبر هذه الأرقام مرتفعة مما يعني أن عمليات التهريب قائمة على الأراضي اللبنانية بشكل قوي خصوصاً مع وجود معابر برية غير شرعية.
الدولة اللبنانية لا تتعاطى مع هذا الملف بشفافية، على جري عادتها، وهي لا تصارح الرأي العام حول حقيقة المعلومات المتوافرة أو الخطة التي تنوي اعتمادها لحل هذه القضية المستترة قبل فوات الأوان وقبل "ما تطلع ائحة إشعاعات النفايات النووية".
("لبنان 24")