ينكب "حزب الله" بمركز دراساته وقطاعاته المعنية لمواجهة المرحلة المقبلة التي باتت أكثر من خطرة اقتصادياً ومالياً واجتماعياً. ويتظهر اهتمام حارة حريك المتزايد بمحاربة الفساد في أكثر من ميدان. فهناك اربعة معطيات لا بد من التوقف عندها:
المعطى الأول يقول إنه قد تكون المرة الاولى التي يحصل فيها "حزب الله" على 3 وزراء داخل الحكومة، وأن يكون تمثيله وحركة "أمل" مناصفة، فهو أصّر على حصته التي تضمنت حقيبة أساسية (الصحة)، لارتباطها بحياة المواطنين اليومية ولا سيما بعد التململ الذي خيم خلال مرحلة التحضير للانتخابات النيابية على أوساط قاعدته الشعبية من جراء عدم قدرته على تقديم المشاريع الخدمية لهم، بعدما كان في مراحل سابقة لا يتطلع الى نوعية الحقائب، وكانت حصته تقتصر على وزيرين، اذ ان الوزير الشيعي الثالث غالبا ما كان يذهب الى حلفاء حارة حريك.
المعطى الثاني يتمثل بإعلان الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله خلال إطلالاته الانتخابية قبل السادس من ايار الماضي رفع مستوى الاهتمام بالملفات الداخلية وأطلق صرخته لمحاربة الهدر والفساد، متحدثا عن خطورة الوضع في لبنان من الناحية المالية، كونه على حافة الانهيار والركود والبطالة، وعدم توفّر الحد الأدنى من الخدمات.
المعطى الثالث يتصل بتدخل رئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد في أول جلسة تشريعية للبرلمان الجديد بعد الانتخابات لانقاذ اربعة قروض كادت تسقط مع تصاعد حدة النقاش وتهديد الرئيس المكلف سعد الحريري بمغادرة الجلسة التي حضرها حينذاك لانها ارتبطت بالقروض المالية، علماً أن "السياسة الرعدية" جاءت يومذاك خارج السياق المعهود لموقف "حزب الله" الاقتصادي والمالي من مسألة القروض.
المعطى الرابع يتعلق بمقررات مؤتمر "سيدر1" التي لم يطلق "حزب الله" موقفاً سلبياً منها، وإن احتفظ بحقه في مناقشة كل مشروع على حدة، تبعاً لما كان أعلنه الأمين العام للحزب، الذي توعد بملاحقة نتائج "سيدر 1" مشروعاً مشروعاً في الحكومة والبرلمان، محذراَ من تكرار الاستدانة وأنه يجب عدم ايهام الناس بأننا سنجلب لهم الأموال بينما الواقع أننا سنركب عليهم المزيد من الديون التي ستتحمل تبعاتها الاجيال القادمة. وقال يومذاك "إذا كانت القروض للكماليات فيحتاج الأمر إلى نقاش في الحكومة وفي مجلس النواب، لأن هذه القروض سيحملها الشعب اللبناني، ديون إضافية وفوائد الدين.. أما إذا كانت لحاجات أساسية للجيش والأجهزة الأمنية فهذا طبيعي".
هذه المعطيات الأربعة السابقة الذكر، هي من الأهمية في مكان لكونها من ناحية تعكس، بحسب ما تؤكد مصادر "حزب الله" لـ"لبنان24"، إصرار حارة حريك على مزيد من لبننة الممارسة السياسية والغوص في تفاصيل الملفات المختلفة، وتسجيل مستوى أعلى من الحضور الفاعل في إدارات الدولة على المستوى الداخلي، وتعكس من ناحية أخرى، إحساساً متقدما لدى الحزب بخطورة الأوضاع الاقتصادية والمالية.
ثمة من يرى أن المستوى الخطر الذي بلغته الأوضاع الاقتصادية قد يستخدم ورقة على المستوى السياسي ضد "حزب الله" وحلفائه، الامر الذي يستدعي التدخل واللجوء إلى مقاومة الفساد. وعليه يمكن القول، إن زيارة وفد "كتلة الوفاء للمقاومة" أمس إلى المجلس الاجتماعي والاقتصادي الذي يتمثل فيه الحزب مباشرة بعضوين ( يوسف البسام واسامة الخنسا) بالتوازي مع رفع مستوى التعاون بين مركز الدراسات التابع للحزب والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، ترجمة حقيقية لسياسته الجديدة التي ستدخل حيز التنفيذ خلال المرحلة المقبلة. فالمجلس الاقتصادي والاجتماعي عول أمس خلال مداخلات أعضائه على دور "حزب الله" في النهوض بالمؤسسات ومحاربة الفساد المستشري.
وعليه، فإن مقررات "سيدر1" والقروض الدولية وأولوية المشاريع التي سيتم اختيارها ستشكل العنوان الابرز الذي سيطرح نفسه على طاولة مجلس الوزراء العتيد فور تشكيل الحكومة ونيلها الثقة. فلم يعد هناك من شك بأن "حزب الله" سيعمل في إطار تنظيمي على تحقيق الإصلاح المنشود. وليس هناك من شأن أن حارة حريك مهتمة بتنفيذ مقررات "سيدر1" بما يخدم لبنان، مع تشديدها، وفق مصادرها، على ان توليها حقيبة الصحة لا يتعارض مع متابعتها لمشاريع "سيدر1". فالموقف الأميركي،حسب قراءتها، لن يقدم أو يؤخر. واذا كانت واشنطن ستلجأ إلى تنفيذ سياسة المقاطعة لهذه الوزارة، فالاكيد أن هناك قروضا وهبات دولية وأوروبية لن تتوقف. فالهيئة العامة على سبيل المثال أقرت في جلستها الأخيرة قرضا دولياً بقيمة 200 مليون دولار لقضايا صحية.