كأنها في استراحة مُحارِبٍ، هكذا هي بيروت الخارجة للتوّ من معركةٍ سياسيةٍ قاسية وبالسلاح الأبيض، دارتْ رحاها في المتر الأخير قبل الإفراج عن حكومةٍ، مدّد الصراع على التوازنات فيها، بقاءها في الإقامة الإجبارية حتى إشعارٍ آخر.
أكثر المفارقات إثارةً كان إنتقال "الحرب الصامتة" بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" إلى مواجهةٍ بـ "مكبرات الصوت"، ولغزُها "الثلث المعطل" في الحكومة العتيدة.
وعَكَس الحرصُ على تظهير انتكاسة ما قبل الولادة الحكومية على أنها تَعثُّر وليس انهياراً، انطباعاً بأنه رغم حدّة الكباش حول عقدة تمثيل سنّة 8 آذار فإن هذا المأزق المستجدّ بات محدَّداً "قفلاً ومفتاحاً"، وسط اعتبار أوساط مطلعة أن "أي تفاوُض في شأن هذه العقدة سيبدأ من حيث انتهت اليه مبادرة عون التي اصطدمتْ بمَن ستكون "المرجعية السياسية" للشخصية التي تفوّضها "مجموعة الستة" تمثيلها في الحكومة: هل رئيس الجمهورية أو "اللقاء التشاوري". علماً ان هؤلاء كانوا سَحبوا تفويض جواد عدرا للتوزير باسمهم على خلفية عدم حصولهم على تعهُّد منه بأن يكون جزءاً من كتلتهم ويلتزم بتوجُّهاتها حصْراً في الحكومة، مقابل تَمَسُّك رئيس "التيار الوطني الحر" الوزير جبران باسيل بجعْله عضواً في تكتل "لبنان القوي".
وفي رأي هذه الأوساط أن "أيّ استئنافٍ للوساطات حول الملف الحكومي بات يحتاج إلى وقتٍ لتبريد الأرض السياسية أولاً وتدوير زوايا أي مخارج بحيث لا تبدو خسارة صافية لهذا الطرف أو ذاك، في ضوء ما آلت اليه الجولة الأخيرة من شد الحبال على مستوييْن:
ارتسام خطيْن أحمرين متوازييْن، أوّلهما عنوانه استحالة أن يكون أي ممثل لسنّة 8 آذار من حصة رئيس الجمهورية بمعنى ان يكون عضواً في الكتلة المحسوبة عليه، ولا سيما أن مثل هذا الأمر يعني حصول فريق عون على 11 وزيراً اي الثلث المعطّل، وهو ما لا يسلّم به "حزب الله". والخطّ الثاني إعادة توزيع بعض الحقائب وفق ما كان أراده، الأمر الذي وقف سداً منيعاً بوجهه بالدرجة الأولى رئيس البرلمان نبيه بري الذي أبلغ الى الحريري خلال لقاء الربع الساعة بينهما (السبت): "مات الصبي وأنت بعدك عم تحكي باستبدال حقائب وتوزيعها من جديد".
التراشُق غير المسبوق وبالمصادر بين طرفيْ تفاهم "مار مخايل"، اي "حزب الله" و"التيار الحر" وتحميل كل من الحليفين الآخر مسؤولية عرقلة تأليف الحكومة و"الانقلاب" على تسمية عدرا وتموْضعه في الحكومة.