في شهر شباط من العام 2018 كان لرئيس "التيار الوطني الحر" الوزير جبران باسيل كلام إلى مجلة "الماغازين"، لم يلقَ إستحسانًا لدى قيادة "حزب الله"، وهو لم "يبلعه" بالكامل وترك إمتعاضًا لدى قواعد الحزب الشعبية، مما أستدعى تدخلًا من قبل رئيس وحدة الإرتباط الحاج وفيق صفا، الذي كان له رأي مطوّل في الإعلام ليؤكد متانة وثيقة التفاهم، وهو المقّل عادة في طلاّته الإعلامية، وذلك بهدف إستيعاب نقمة الشارع الحزبي المؤيد لتوجهات الحزب.
وقد تزامنت مواقف صفا يومها، التي تعبّر عن توجهات الحزب، مع موقف أعلنه تكتل "التغيير والإصلاح"، قبل أن تحوله الإنتخابات النيابية في 6 ايار إلى تكتل "لبنان القوي"، الذي تبنّى مواقف رئيس التكتل وأعاد التذكير به لجهة إصراره على قيام "الدولة القوية والعادلة، على ما أتى حرفيا في وثيقة التفاهم التي نلتزم بها بكليتها، ونأمل بكل صدق أن يكون الحزب الحليف على ذات مستوى الإلتزام بقيام هذه الدولة".
وفي رأي بعض المطلعين على حقيقة موقف الوزير باسيل في هذا الظرف بالذات أن الأمر في الاساس يعود إلى الإختلاف في المفاهيم التي ينظر من خلالها كل فريق إلى قيام الدولة وإلى طريقة التعبيرعن هذه المفاهيم، وذلك إنطلاقًا من المعطيات التي تجمعّت من خلال سنتين لممارسة المسؤولية في السلطة، إذ تبيّن أن ثمة إختلافًا في المقاربات بين المنطقين، وإن كان ثمة إصرار واضح من قبل الطرفين على الثوابت والإستراتيجيات. وعلى رغم أن أوساطًا قريبة من "التيار الوطني الحر" تقرّ بأهمية الدور التشاركي الذي لعبه "حزب الله"، والذي كانت له مساهمة فعالة في الإنتخابات الرئاسية، إلاّ أنها ترى أن للحزب دورًا مكمّلًا في عملية إتمام ورشة الإصلاح، التي ينشدها العهد، وهو الحريص على أن يكون لجميع مكونات البلد إسهامات كبيرة في هذه الورشة، التي لا يمكنها أن تبصر النور في حال تلكأ أي مكوّن من هذه المكونات عن ممارسة ما تفرضه عليه الشراكة الوطنية القيام به في كل الإتجاهات.
إلاّ أن هذه الشراكة لم تترجم في التحالفات النيابية، إذ صدر أكثر من موقف عن "حزب الله" يؤكد تشاركه التحالفي مع حركة "امل" في كل المناطق اللبنانية، وهذا ما دفع "التيار الوطني الحر" إلى عدم ضم مرشح الحزب عن دائرتي جبيل – كسروان إلى لائحته، فضلًا عن تضارب المصالح الآنية في إنتخابات جزين وفي غيرها من المناطق.
وبعد التطورات الحكومية الأخيرة وتمسك "حزب الله" بتوزير واحد من "اللقاء التشاوري" أو من يمثل النواب الستة، وبعدما غمز رئيس الجمهورية من قناة معرقلي قيام حكومة الوحدة الوطنية عبر فرضهم "تقاليد جديدة في التأليف"، من دون أن يسمي الجهة المعرقلة، وإن كانت كل المؤشرات توحي بأن المقصود هو الحزب، فإن الأوساط السياسية والديبلوماسية ترصد باهتمام مسار الأمور بين تيار "المستقبل" و"حزب الله"، ومصير العلاقة التحالفية بين الحزب و"التيار الوطني الحر" اللذين باعدت الانتخابات بينهما.
وعلى رغم "غمامة الصيف" هذه بين الحليفين، فإنه لا بدّ من إستنتاج الآتي:
أولًا: إن "حزب الله" يحرص على الفصل بين الرئيس عون ورئيس "التيار الوطني الحر" الوزير جبران باسيل، الذي لديه ملاحظات كثيرة على أداء الأخيرومواقفه وتعابيره وأن الثقة به "اهتزت وتقلصت"، وإن ما زالت قابلة للترميم.
ثانيًا: إن ما حصل في الانتخابات الأخيرة ترك ندوبا في العلاقة بين الحزب والتيار وكشف عن شوائب وثغرات، على رغم أن الحزب بدا متفهما للظروف الإنتخابية وهو الذي بدا متسامحًا، أقله في الظاهر، إزاء الأخطاء التي ارتكبت في حقه كتلك التي حصلت في دائرة كسروان جبيل، حيث امتنع "التيار"عن ضم مرشح الحزب حسين زعيتر الى لائحته، وإنما عمد الى ضم مرشح شيعي (ربيع عواد) في خطوة استفزازية للحزب الذي أراد من خوض الانتخابات في جبيل تفادي خلاف في هذه الدائرة بين التيار و"أمل".
ثالثًا: التطورات الانتخابية لم تكن موضع قلق عند "حزب الله"، وإنما التطورات السياسية ذات الصلة بالوزير باسيل، والتي انكشفت وتأكدت في فترة المعركة الانتخابية وأبرزها:
- تعمق الخلاف بين باسيل والرئيس نبيه بري واشتداد وطأته الى درجة أنه بات يؤثر سلبا على أجواء العلاقات المسيحية ـ الشيعية، وتحديدا على مستوى القواعد الشعبية لدى التيار والحزب، وهي المستندة منذ العام 2006 الى مفاعيل تفاهم مار مخايل "الآخذة في التآكل".
- تعمق التحالف بين باسيل والرئيس سعد الحريري وترسخه في السلطة، وهو
لم يكن ليثير قلق "حزب الله" أو يشكل نقزة لديه لو لم يحصل هذا التطور الذي لم يصبح بعد تحولا في سياسة الحريري مع إعادة بناء علاقته الإقليمية التي أصبحت أفضل من قبل، وتماهيه مع محور دولي (أميركي ـ فرنسي) وعربي لا يرتاح له الحزب .
رابعًا: ثمة تساؤلات وملاحظات وتحفظات لدى "حزب الله" في شأن بعض ما قاله وفعله الوزير باسيل أخيرا ولكنها لا ترقى الى مرتبة الشك بخياراته الاستراتيجية التي لم يطرأ عليها تبدل، ويستمر باسيل ملتزما بما أرساه الرئيس عون.
إلاّ أن المطلعين على كواليس العلاقة بين الطرفين لا يجدون سببًا وجيهًا لإنفراط عقد التفاهم بينهما، وذلك نظرًا إلى ما يجمع بينهما من خيارات إستراتيجية تحول دون إرتقاء التباين في وجهات النظر إلى مستوى القطيعة بينهما، وهذا ما يُعمل عليه بعيدًا عن الإعلام.
وقد يكون إتصال المعايدة، الذي أجراه السيد حسن نصرالله بالرئيس عون، مقدمة لكسر الجليد الذي بدأ يتراكم على طريق بعبدا – حارة حريك، بعدما تأكد للجميع، من كلا الطرفين، أن الحلف بينهما ثابت ومتين، وإن تزعزعت بعض أساساته، وذلك إنطلاقًا من المصلحة المشتركة بينهما، والقائمة على التبادل العادل بين موجبات "شرعنة" المقاومة، وبين تجيير الدعم الشعبي لجمهور المقاومة لمصلحة رئيس الجمهورية.