ساعات قليلة وتطوي سنة 2018 آخر أوراقها حاملة معها كل المآسي والأزمات التي جلبتها الى البلاد، على وقع أمل باستقبال سنة جديدة تكون أفضل من الحالية. الاّ أن الـ2018 تأبى ان تغادرنا من دون ترك ملفاتها عالقة على الطاولة ولعل أبرزها الملف الحكومة والأزمة السياسية والشلل شبه الكامل الذي يصيب الدولة اللبنانية، أو ما تبقى منها.
غير أن بعض الأمل في امكانية حلّ بعض الملفات المرحّلة من عام الى آخر، ولا سيّما الملف الحكومي، يبقى موجوداً وأولى تباشيره خروج الرئيس المكلف سعد الحريري عن صمته حيث قال بعد جولته في العاصمة بيروت، متفقداً التحضيرات لسهرة رأس السنة: "هذا هو البلد الذي نريده. للأسف، تأخر تشكيل الحكومة بهذا الشكل، لكن لدي ثقة بأن كل الأفرقاء السياسيين يريدون حلا. فخامة الرئيس صبر كثيرا، وأنا صبرت كثيرا، وكذلك كل الشعب اللبناني، ولا بد لنا أن نشكل حكومة مع بداية العام الجديد. وحتى ذلك الحين، أريد من اللبنانيين أن يفرحوا، لكي نقلب صفحة جديدة، ونفكر بالبلد وبالناس، وآمل أن يكون الاحتفال الذي سيجري بقدر طموحات اللبنانيين، وأهل بيروت بشكل خاص".
اعادة العمل بالمبادرة الرئاسية
اذاً لم يطرأ جديد على الملف الحكومي في عطلة نهاية الاسبوع، فيما يستمر احياء المبادرة الرئاسية من حيث توقفت، اذ تتكثف المساعي لولادة الحكومة قبل منتصف الشهر المقبل، وقبل بدء وصول الوفود العربية الى القمة العربية الاقتصادية والتنموية في 15 كانون الثاني، للافادة من رفع مستوى التمثيل، والظهور كفريق سياسي متجانس وليس افرقاء منقسمين على أنفسهم، تمهيداً لتعزيز لبنان من خلال القمة تقاربه مع محيطه العربي.
وفيما يبرز تخوف من دفتر شروط جديد يتناول، الى الحقائب، تضمين البيان الوزاري نصوصاً عن اعادة احياء المجلس الاعلى اللبناني - السوري، واعادة تفعيل الاتفاقات، تحدث مصدر سياسي الى "النهار" عن التركيز على المبادرة من حيث توقفت من دون تغييرات كبيرة لان أي مس بالاتفاق السابق يعيد الامور الى الصفر، وهذا أمر لا ترغب فيه الاطراف الداخليون، وان كانوا متباعدين، لان الملف الحكومي صار يشكل عبئاً على الجميع، وتداعياته الاقتصادية والمالية أكبر من ان يتحملها أي فريق مهما تعاظمت قوته. وشدد ايضا على الاستمرار في مسودة البيان الوزاري التي كان فريق اجتمع ووضع لها الخطوط العريضة.
وعاد المصدر السياسي الى التحذير عبر "النهار" من شروط جديدة قد تنعكس سلباً ويكون مصدرها من خارج الحدود أي من سوريا وايران لاحباط القمة العربية وتوجيه رسائل في اتجاهات متعددة، لكنه يأمل حيزاً اذ ان قمة بيروت ستكون مقدمة لاعادة دمشق الى احضان جامعة الدول العربية قبل القمة المقررة في تونس في الربيع المقبل، ومن مصلحة دمشق ابراز مرونة في هذا المجال.
وكانت الجهود تركزت خلال الايام القليلة الماضية على معالجة اكثر من عقدة ومشكلة ترتبط بتشكيل الحكومة، تولى متابعتها المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم مع رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل، وسط معلومات عن لقاء مرتقب بين الرئيس المكلف سعد الحريري واللواء ابراهيم، للبحث في بعض الافكار الجديدة التي تتعلق بالملف الحكومي ككل، وليس فقط بموضوع تمثيل "اللقاء التشاوري" للنواب السنة المستقلين او تبادل الحقائب بين بعض القوى السياسية، فيما عاد تسريب طرح حكومة من 32 وزيرا ليلقى رفضا فوريا من اوساط الرئيس الحريري.
ونفت مصادر رسمية ما تردد عن سفر اللواء ابراهيم، واكدت انه كان على تواصل امس مع القصر الجمهوري، لمتابعة الافكار والمقترحات التي تحرّك عجلة تشكيل الحكومة.
واوضحت المصادر الرسمية المتابعة ان اللواء ابراهيم يعمل على تقريب وجهات النظر بين المختلفين عبر طرح بعض الافكار، فيما تردد ان من بين الاقتراحات المطروحة تسمية شخصية مقربة من اعضاء "اللقاء التشاوري" ومقبولة من الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري، لكن البحث يجري حول تموضع هذا الوزير سياسيا وخلال جلسات مجلس الوزراء وكيف سيصوّت في حال حصل خلاف على قرار او اجراء ما..
وفي هذا الصدد نفت مصادر اللقاء التشاوري عبر "اللواء" ما تردد عن طرح اسم مسؤول العلاقات العامة في مجلس النواب علي حمد، وقالت: ان "اللقاء" لم يقترح اسمه وان "اللقاء" لم يطرح سوى الاسماء الثلاثة التي جرى التداول بها رسميا (عثمان المجذوب وحسن مراد والشيخ طه ناجي). وان شيئا لم يُطرح خلال اليومين الماضيين على "اللقاء" من افكار جديدة، لكن الاهم من الاسم هو اين سيكون الوزير المقترح، فإذا لم يكن من حصة "اللقاء التشاوري" ويلتزم قراراته فلا معنى للتسوية التي يجري الكلام عنها.
مناخ جديد يتبلور
تجزم أوساط متابعة عن قرب للملف الحكومي، بأن مناخاً جديداً قد بدأ في التبلور خلال الساعات الماضية، ل سيّما بعدما كلّف عون، قبل أيام، المدير العام للأمن العام بمعاودة الاتصالات، مانحاً الاخير ورقة تفاوضية مع تأكيده القبول بأن يكون الوزير ممثّلاً حصرياً للقاء التشاوري في حصّة رئيس الجمهورية، لكن الاقتراح الأخير لا يحلّ أزمة بقاء الخلاف حول الجهة التي سيصطفّ إلى جانبها الوزير المفترض في حال التصويت في مجلس الوزراء، بحسب "الأخبار" إذ لا يزال باسيل مصرّاً على أن يكون الوزير من ضمن تكتل "لبنان القوي" وأن يشارك في اجتماعاته، في استنساخ لتجربة حزب الطاشناق في التكتل. وبعد إجازة رأس السنة، ستُبحث تفاصيل هذه المبادرة مع أعضاء "اللقاء التشاوري".
شكل الحكومة
عاد الحديث عن امكانية توسيع الحكومة، حيث أكّد مصدر معني بالمفاوضات لـ"الأخبار" أن "الصيغة القديمة انتهت، وعدنا إلى البحث في صيغ تتضمن توسيع الحكومة إلى 32 وزيراً". غير أن صيغة الـ32 وزيراً، التي يطرحها باسيل منذ البداية، والتي تتضمّن إضافة وزير علوي ووزير للأقليات (سرياني)، ويوافق عليها حزب الله، لا تزال حتى الآن تصطدم بعدم قبول الحريري لها. فالأخير يرى أن إضافة وزير علوي الآن إلى الحكومة من حصّته مقابل تخليه عن وزير سنّي، تسمح لسوريا في المرة المقبلة بتسمية هذا الوزير وتحويل توزير العلويين إلى عُرف. ومع أن أصحاب المبادرة ابتدعوا حلّاً للحريري، عبر تبديل المقعد الوزاري الذي منحه للرئيس نجيب ميقاتي من سني إلى علوي، وإعطاء المقعد السّني إلى ممثّل عن اللقاء التشاوري، إلّا أن الحريري لم يعلن موافقته بعد.
وفي المقابل، تصاعدت الدعوات لتشكيل حكومة مصغرة، يتمثل فيها الأقطاب مباشرة؛ لكن هذا الخيار يواجه صعوبات أبرزها غياب تمثيل بعض الطوائف، كالأرمن، ولهذا لا يزال خيار الحكومة الموسعة (30 وزيراً) هو المعتمد، بعد سقوط خياري الـ14 وزيرا والـ32 وزيراً. مع ملاحظة طرح جديد يقضي بأن يتم توزيع الحقائب السيادية الأربع، على القوى الأساسية، فيما يحمل الحقائب الأخرى وزراء تكنوقراط اختصاصيون، لديهم التزام سياسي في الوقت نفسه.
تبادل الحقائب ممكن
أما بالنسبة الى العقدة الثانية التي منعت ولادة الحكومة في اللحظة الأخيرة، ترددت معلومات لـ"اللواء" عن امكانية لتبادل بعض الحقائب بين بعض الاطراف، لكن لم تعرف ما هي هذه الحقائب، ذكرت مصادر نيابية في كتلة التنمية والتحرير ان شيئا جديدا لم يطرأ منذ اللقاء الذي جمع الرئيسين نبيه بري والحريري، وتبلغ الاخير من رئيس المجلس ان هذا الموضوع بالنسبة له غير قابل للنقاش، وقالت: هذا الموضوع اصبح وراءنا وتشكيل الحكومة لا يحتاج الى مشكلة جديدة بتبديل الحقائب حتى لا نفتح "بازارا" امام القوى السياسية، ولنعالج المشكلة المتبقية حول اختيار اسم وزير يمثل "اللقاء التشاوري" ولا لزوم لمشاكل جديدة، لكن الرئيس برّي، ومن باب تسهيل تشكيل الحكومة عاد وأبلغ المعنيين، ولا سيما الرئيس الحريري انه لا يمانع من حيث المبدأ التخلي عن حقيبة البيئة، شرط ألا يحمل حقيبة الإعلام أو المهجرين، وهو ينتظر ما قد يعرض عليه في هذا الصدد.
وجرى تسريب معلومات عن اقتراح بعرض حقيبة الاعلام على حزب "الطاشناق" يتولاها وزير السياحة الحالي افاديس كيدانيان، مقابل منح حقيبة السياحة للرئيس بري، لكن لم يجرِ تأكيد من اي طرف لهذه التسريبات، بانتظار ما ستسفر عنه مساعي اللواء ابراهيم.
تناغم حزب الله والتيار الوطني الحرّ قد يسهل التأليف
وعلمت "الشرق الأوسط" أن رئيس وحدة التنسيق في "حزب الله"، رفيق صفا، زار رئيس الجمهورية، بعيداً عن الأضواء، لبحث العلاقة بين تيار عون والحزب. بعد اهتزازها إثر فشل مبادرة عون تسمية جواد عدرا وزيراً من حصته، لحل مشكلة تمثيل النواب السنة المتحالفين مع الحزب، وما تلاه من تراشق بالاتهامات بين الطرفين، وأدى إلى توتر في قاعدتهما الشعبية.
وقال مصدر اطلع على أجواء الاتصالات، إن البحث لم يتطرق إلى أسماء جديدة للتوزير؛ بل ركز على إعادة العلاقات بينهما إلى مسارها الطبيعي.
وتحدثت معلومات عن اجتماع سيعقد بين قياديين من "التيار الحر" وآخرين من "حزب الله" في الساعات المقبلة تحت عنوان التهاني بالأعياد. وقال مصدر نيابي مطلع لـ"الحياة" إن التواصل استؤنف بين قياديين في "التيار الحر" وبين مسؤول الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا، بموازاة استئناف المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم تحركه لتفعيل المبادرة الرئاسية التي تقضي بتسمية الوزير الذي يوافق عليه النواب السنة الستة و"حزب الله". وكرر "حزب الله" للمتصلين به في اليومين الماضيين التأكيد أنه يوافق على ما يقبل به النواب الستة في شأن الشخص الذي يمكن أن يمثلهم في الحكومة وفي شأن تموضعه داخل مجلس الوزراء.
ولفتت مصادر واسعة الاطلاع "الحياة" إلى أن هناك مراهنة على أن يبدي "حزب الله" تساهلا في مسألة تمثيل النواب السنة الستة ويراعي رغبة حليفه الرئيس عون بإنهاء تعطيل التأليف، استنادا إلى القاعدة التي تقول بأنه يتناغم مع الحزب في ما يخص الوضع الإقليمي، مقابل تفهم موقفه في شأن التوازنات الداخلية. وأشارت المصادر إلى أن "التيار الحر" يتناغم بوضوح في الآونة الأخيرة مع توجهات "حزب الله" في شأن ضرورة العلاقة مع سورية.
كما أن مصادر أخرى قالت لـ"الحياة" إن الاتصالات الخارجية لتشجيع الحزب على المساعدة في ولادة الحكومة عادت فنشطت على الصعيد الإقليمي في الأيام الماضية.