بين حكومة "في خبر كان" وحكومة "فعل ماضي ناقص" تتأرجح الحكومة اللبنانية في عين التينة، على وقع المراوحة في الاتصالات والمشاورات التي باتت شبه مقطوعة بين جميع الفرقاء، بحيث تلفت المصادر لـ"النهار" أن لا اتصالات مثلاً مع نواب اللقاء التشاوري منذ أكثر من أسبوعين، وهو أمر يؤكده أحد أعضاء اللقاء بالقول أن لا أحد يتصل بنا لمناقشة تمثيلنا. هذا يعني أن الاتصالات مجمدة، لكن الامر يؤكد أن القرار ليس لدى النواب السنة المعارضين، بل عند "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" الذي يراهن على رفع تمثيله الحكومي ليكون رافعة حكومة العهد القوية.
في المقابل، اكدت المصادر الرسمية لـ"اللواء" ان الاتصالات بين المعنيين حول تشكيل الحكومة لم تنقطع وان كانت تجري بعيدا عن الاعلام من اجل معالجة العُقد التي تؤخر تشكيلها. لكن حتى الان لا تفاصيل او معلومات حول مقترحات جديدة يمكن ان تؤدي الى نتائج ايجابية.
العقدة عند التيار الوطني الحر
وذكّرت مصادر صحيفة "النهار" ان الحكومة كادت أن تتشكل بعد حل العقدة السنية مع طرح توزير جواد عدرا، لكن الأمور انفجرت فجأة مع مطالبة التيار الوطني بالثلث المعطل ثم مطالبة اللقاء التشاوري بتمثيل مباشر، ما يعني أن عوامل إقليمية دخلت على خط التشكيل وحسابات بدت أنها تجر مشاريعها إلى اليوم.
وترى المصادر السياسية في موقف رئيس الجمهورية أمام السلك الديبلوماسي أمس، حول ضرورة اعتماد معايير في تشكيل الحكومة، استمراراً للعقد، كونه يتمسك بحصة التمثيل مع فريقه السياسي على قاعدة الثلث المعطل. وعلى رغم إعادة ترتيب العلاقة مع "حزب الله"، فإن العهد وفق المصادر، لا يطلق مبادرة جديدة في الشأن الحكومي، إنما يستحضر الموقف الذي يقدمه طرفاً وجهة بين الأطراف، وليس حكماً بين الجميع. وعلى هذا تستمر الأزمة الحكومية من دون أن يتم التقدم على أي من جبهات الملفات الأخرى، فيما الهيكل كله مهدد بالعواصف الآتية من كل حدب وصوب...
وفي الموازاة، فيما لم تخف مصادر التيار الوطني الحرّ أن شرط الحصول على الثلث الضامن هو من المسلمات الثابتة لتشكيل الحكومة، وأكدت لـ "الديار" أن وزير الخارجية جبران باسيل "لا يسعى الى ثلث معطّل، بل يبحث عن عدالة التمثيل وأن يأخذ حقّه وفق حجمه النيابي الطبيعي الذي كرّسته انتخابات حصلت للمرة الأولى على قاعدة النسبية، وبعيدة عن المحادل والبوسطات".
وشددت مصادر الوطني الحرّ على ان باسيل "لم يتلق بعد أجوبة من الرئيس المكلّف سعد الحريري على الاقتراحات التي سلّمه إياها مؤخراً". وسألت "هل يعقل أن يتحمّل الوزير باسيل مسؤولية تأخير ولادة الحكومة، علماً أنه الوحيد الذي يقدّم الاقتراحات والمبادرات"؟
وفيما بات الثلث المعطل قطبة غامضة، تخفي وراءها كلّ أسباب التعطيل، وباتت مرتبطة بمعركة الانتخابات الرئاسية ولو بشكل مبكر، شددت مصادر التيار على أن "الثلث الضامن هو جزء من ضمانة يحتاجها العهد، وقدرته على الحكم بعيداً عن الضغوط والعراقيل"، مشيرة الى أن "مقولة دعم الجميع للعهد لم تثبت صحتها في تجربة الحكومة المستقيلة، لا بل كان هناك سباق نحو التعطيل والعرقلة لكل المشاريع التي تقدّم بها وزراء التيار وفريق رئيس الجمهورية".
المستقبل يردّ
في المقابل، أشارت مصادر مطلعة على فحوى الاتصالات، ومقرّبة من تيار "المستقبل"، الى أن "العقدة الوحيدة التي تحول دون تشكيل الحكومة، هي عقدة الثلث المعطّل، وعدم تخلّي باسيل عنها رغم كل الصيغ التي قدّمت في الأيام الأخيرة". وكشفت المصادر لـ "الديار" أن "عقدة الثلث المعطل باتت جزءاً من معركة رئاسة الجمهورية المقبلة، التي يريد باسيل ضمانها بشكل مبكر، والتي تتقاطع مع ما يتسرّب عن المطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة، رغم انكار الطرف الآخر لذلك".
وعن سبب تأخر الرئيس المكلّف سعد الحريري بالردّ على اقتراحات باسيل الأخيرة، أوضحت المصادر أن باسيل "قدّم اقتراحات سبق ورفضت من معظم الأطراف"، مؤكدة أن الأخير "يركّز على تسويق فكرة حكومة من 32 أو 36 وزيراً، وهو تبلّغ رفض الحريري فوراً لهذا الطرح، وبالتالي لم يعد مقبولاً وضع كرة المسؤولية في مرمى الآخرين".
اقتراحات باسيل و"التشاوري"
وتقول أوساط مقربة من باسيل لـ"الحياة" أنه على اقتراحه برفع عدد الوزراء من 30 إلى 32 وزير لإتاحة المجال من أجل توزير من يمثل النواب السنة الستة، وإلا فإنه متمسك بأن يكون الوزير السني الذي سيختاره الرئيس عون لتمثيل "اللقاء التشاوري" من حصة رئيس الجمهورية، في تكتل الأخير الوزاري، وليس في "اللقاء"، لأنه ليس بوارد القبول بأن تتخلى الرئاسة عن وزير من حصتها. ويعتبر باسيل حسب قول سياسيين التقوه في اليومين الماضيين، أن من حق "التشاوري" في المقابل أن يصر على تموضع الوزير الذي يتم اختياره إلى جانبه، لذلك طرح اقتراحا بديلاً على الحريري هو أن يسمي هو الوزير السني من حصته لأنه المسؤول عن التمثيل السني في الحكومة، مع ما يعنيه ذلك من تخلٍ عن المبادلة بينه وبين الرئيس عون فيحصل الأخير على وزير سني، وهو على وزير مسيحي. إلا أن الحريري يرفض حصر تمثيله بالسنة، حسب قول مصادر مطلعة على موقفه لـ"الحياة". وتضيف هذه المصادر: "الحريري يعتقد أن رئيسي الجمهورية والحكومة يجب أن يكون لديهما تمثيل خارج طائفتيهما في الحكومة. وعلى مر الزمن جرى تطبيق هذا المبدأ ولن يقبل بخرقه الآن وتكريس مبدأ مخالف". وترى أن كافة الاقتراحات التي يطرحها باسيل تهدف إلى احتفاظ فريقه بالثلث المعطل الذي يرفضه بري وحتى "حزب الله" ضمنا على رغم عدم ممانعة الأخير علناً.
اجتماع للقاء التشاوري اليوم
وذكرت "اللواء" ان "اللقاء التشاوري للنواب السنة المستقلين" سيعقد اجتماعا عند الواحدة والنصف من بعد ظهر اليوم، في دارة الرئيس الراحل عمر كرامي بالرملة البيضاء، لمواصلة البحث في المستجدات المتعقلة بتمثيلهم في الحكومة الجديدة، وانقطاع التواصل والمبادرات حول هذا الموضوع، وقالت مصادر اللقاء: ان الاعضاء سيؤكدون على موقفهم ذاته باختيار احد النواب الستة او اسما من الاسماء الثلاثة التي اقترحوها لتمثيلهم.
ونفت مصادر اللقاء ما تردد عن طرح اسماء اخرى غير التسعة المعروفين، مشيرة الى ان الرئيس بري كما نفت علم اللقاء بأي مبادرات جديدة تتعلق بمعالجة العقد امام تشكيل الحكومة سوى ما يتم تسريبه عبر الاعلام، لا من قبل الوزير جبران باسيل ولا من قبل المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم.
في الموازاة، تقول المصادر المواكبة لجهود إزالة العقد من أمام إنجاز الحكومة اللبنانية لـ"الحياة" أن الحكومة اللبنانية ستكون محكومة بتطبيع العلاقة مع النظام السوري حين تنعقد القمة في ظل مشهد إقليمي جديد، وبالتالي يسعى حلفاء دمشق إلى ضمان ترجمة هذا التطبيع منذ الآن، عبر الحكومة الجديدة، وإلا تأجيل تشكيلها إلى موعد قمة تونس، ومن هنا تمديد بعض الأوساط الولادة القيصرية لحكومة الحريري إلى الربيع المقبل.
وتنتهي المصادر إلى القول إن مسألة تمثيل "اللقاء التشاوري" للنواب السنة الحلفاء لدمشق و"حزب الله" صارت هي الشماعة التي يعلق عليها موضوع التطبيع مع النظام السوري الذي يرهن قيام الحكومة.
قمة بكركي المارونية
وتزامناً، ذكرت"المستقبل" من مصادر مطلعة على المساعي التي يبذلها البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي لجمع رؤساء الأحزاب المسيحية في الصرح البطريركي بغية الخروج بموقف موّحد إزاء التحديات والمستجدات الوطنية، أنّ الراعي يعمل على عقد هذا اللقاء في بكركي تحت رعايته قبل سفره إلى الولايات المتحدة الأميركية هذا الشهر، مع إصراره على أن يكون التمثيل على مستوى القيادات المسيحية أنفسهم وليس من ينوب عنهم.
في الموازاة، أكدت مصادر القصر الجمهوري لـ"اللواء" ان قصر بعبدا لم يتبلغ أي أمر رسمي يتصل بتحرك بكركي الأخير.