ينهي مساعد وزير الخارجية الاميركية للشرق الاوسط ديفيد هيل زيارته للبنان اليوم، بعد مروحة لقاءات سياسية وامنية، شملت إضافة الى كل من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون رئيسي مجلسي النواب والوزراء نبيه بري وسعد الحريري، إضافة الى العديد من النواب والشخصيات السياسية والديبلوماسية والأمنية.
وقالت مصادر لبنانية مطلعة على لقاءات هيل في بيروت، لـ"الشرق الأوسط"، إن المحادثات شملت ملفات المنطقة والاستراتيجية الأميركية لتفعيل العقوبات على إيران، إضافةً إلى موضوع الأنفاق على الحدود الجنوبية. وفيما تحدثت المصادر عن حزمة عقوبات جديدة تشمل الحزب وإيران "ومن يمتّ إليهما بصلة"، قالت مصادر أخرى، إن هيل "تحدث عن تفعيل العقوبات السابقة، وتطبيقها، ولم يتطرق إلى عقوبات جديدة".
هيل وترسيم الحدود
وتركزت اللقاءات بشكل اساسي حسب معلومات "اللواءط على موضوع ترسيم الحدود بين لبنان واسرائيل عند النقاط المختلف عليها وعددها 12 نقطة اضافة الى "النقطة ب1" عند الناقورة، وهوطلب التوافق اللبناني على الموضوع نتيجة اختلاف بوجهات النظربين المسؤولين حول هل يكون الترسيم شاملا الحدود البرية والبحرية كلها كما يطرح الرئيس نبيه بري ام يكون متدرجا حسب ما يمكن الاتفاق عليه بين لبنان والكيان الاسرائيلي برعاية الامم المتحدة.
وذكرت مصادر رسمية واكبت زيارة هيل، انه طرح ضرورة تحقيق إجماع لبناني على ترسيم الحدود، ونقل استعداد الاسرائيليين لتنفيذ العملية، موضحة ان النقاط الاثنتي عشرة بينها سبع نقاط شبه متفق عليها وخمس يمكن حلها، لكن المشكلة الاكبر هي حول النقطة "ب 1" ولكن مساحتها لا تتعدى 14 مترا يصر لبنان على استعادتها كلها. ولكن المصادر اكدت ان حل الموضوع ليس مستحيلا او صعبا، وانه متى توافر التوافق اللبناني يمكن البدء بالحل وهو مجرد عملية إجرائية.
وفي سياق آخر، كشفت المصادر عن ان هيل والذي يعتبر الرجل الثاني في الخارجية الأميركية، بعد وزير الخارجية استفسر من المسؤولين اللبنانيين الذين التقاهم عن تطور الاوضاع في لبنان ناقلا قلق بلاده من اي تطور قد يحصل عند الحدود ومؤكدا حرص بلاده على الاستقرار.
واشارت المصادر الى انه اثار مع المسؤولين مسالة اكتشاف انفاق لحزب الله عند الحدود الجنوبية، كما اشارت الى ان لبنان اكد التزامه القرار ١٧٠١، واي خرق يحصل في اتجاه الاراضي اللبنانية لا بد وان يواجه يالتصدي له. وان الاجهزة الامنية على استعداد لذلكِ.
واثار المسؤولون الخروقات الاسرائيلية المتكررة وكيفية متابعة الوضع على الحدود، كذلك افادت ان جولة هيل استطلاعية وهو سيرفع تقريره الى كبار المسؤولين في واشنطن بعد سلسلة لقاءات عقدها خلال وجوده في بيروت.
هيل وحزب الله
أما على الصعيد السياسي، فقد تشابه خطاب هيل الى حدّ كبير مع خطاب وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو الذي كانت يقوم بجولة في منطقة الشرق الأوسط بالتزامن مع زيارة هيل، واوضحت المصادر ان هيل لم يطرح شيئا جديدا خارج الموقف التقليدي من ايران و"حزب الله" وان الاميركيين ماضون في العقوبات على ايران وحلفائها ولا سيما "حزب الله"، كما انهم ماضون في الضغط على سوريا من اجل تقديم تنازلات في العملية السياسية الجاري بحثها وبخاصة ما يتعلق بأمن الكيان الاسرائيلي عند الحدود الجنوبية لسوريا، وتقديم ضمانات للاكراد عند الحدود الشمالية.
واستنتجت المصادر ان الضغط على سوريا يعني بشكل مباشر تأخير الانسحاب العسكري الاميركي ستة اشهر، وبشكل غير مباشر عدم عودتها الى الجامعة العربية حاليا، وهو ما عارضه الجانب اللبناني حيث اكد المسؤولون اللبنانيون على ضرورة انفتاح لبنان الرسمي على سوريا ولو من الباب الاقتصادي كمرحلة اولى.
ورأت مصادر متابعة لمستجدات الموقف الأميركي لـ"الحياة" أن واشنطن تبدي تشددا حيال الوضع اللبناني خلافا لمراعاتها السابقة للمعادلة الدقيقة التي تتحكم بالمشهد السياسي فيه، بعدما استفسر عن أسباب تعطيل تأليف الحكومة والعراقيل التي تحول دون ولادتها. كما أن هذه المصادر استنتجت بأن تشدد واشنطن حيال الاندفاعة التي يسعى فريق التحالف السوري الإيراني من خلالها إلى كسب مزيد من النفوذ في المعادلة الداخلية، يدفع بها إلى تفضيل بقاء حكومة تصريف الأعمال، بحيث أن قول فريق "الممانعة" و"حزب الله" إن لا حكومة من دون تمثيل حلفائه بحجة أن ميزان القوى تغيّر لصالحه، يقابله اقتناع بأن لا حكومة بشروط الممانعين والحزب ونتيجة ضغوط هذا الفريق، ما يعزز حظوظ تصريف الأعمال.
وعلمت "الحياة" في هذا السياق من مصادر اطلعت على جانب من محادثاته ودققت في بيانه بالأمس، أن هيل حرص على التأكيد لبعض المسؤولين الذين التقاهم أن ليس صحيحا أن قرار الانسحاب الأميركي من سورية هو انهزام أميركي، وهو معروف منذ مدة لارتباط الوجود العسكري بمحاربة "داعش"، وأن ما يروج عن ترك الساحة لإيران فيها يخالفه إصرار واشنطن على مواجهة دورها في سورية عبر التحالف الذي دعت لاجتماع بولندا من أجل بلورته، وأن على لبنان أن يأخذ ذلك في الاعتبار. كما أن هيل ترك انطباعا بأن القوات الأميركية لن تترك الساحة للنظام السوري، لا عسكريا ولا سياسيا، وأن الانفتاح العربي على الأخير لن يكون كما يروج له، لأن هناك مبالغة في تقدير الموقف عند بعض الأوساط بسبب تزامن إعلان قرار الانسحاب الأميركي مع الترويج لفتح سفارات عربية في دمشق، لا يبدو أنه سيتم بالوتيرة التي تظهر في الإعلام.
وبحسب المعلومات للـ"الديار" حرص هيل على التحريض على حزب الله واكد وزير الخارجية جبران باسيل امام هيل الذي فاتحه "بخروقات" حزب الله للقرار 1701انه اذا كان حزب الله "خرق" بخمسة انفاق فان اسرائيل كل يوم ترتكب خمسة خروقات، كما شدد باسيل على ان لبنان لن يتنازل عن "شبر" من حدوده معولا على حل الامور من قبل الامم المتحدة، كما شدد على ضرورة مشاركة لبنان في اعادة اعمار سوريا، مطالبا بعدم قيام واشنطن بادراجه على قائمة العقوبات.
وفي هذا السياق حذرت مصادر بارزة في 8 آذار من ان البعض يخطئ في لبنان بحساباته ويعول من جديد على ادارة اميركية "مربكة" وتعيش ازمات متلاحقة في الداخل والخارج، مشيرة الى ان ما بعد القمة الاقتصادية في بيروت سيكون الاختبار الاول لمفاعيل هذه الزيارة حيث ستتكشف تردداتها مع استئناف الاتصالات لمحاولة تشكيل الحكومة، في ظل بداية ظهور مؤشرات سلبية اقليمية من خلال تراجع عدد من الدول العربية عن سياسة الانفتاح على سوريا...
هيل وقمة بولندا
وأشارت صحيفة "الديار" الى ان زيارة هيل الى بيت الوسط كانت المحطة الأبرز في جولته، خصوصاً وان المواقف العالية صدرت من هناك، وما لم يطرحه هيل على رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، افاض في شرحه على مسامع رئيس الحكومة المكلف، وهو نقل "رسالة" واضحة من وزير الخارجية مايك بومبيو اكد فيها ان بلاده لن تتخلى عن حلفائها على الساحة اللبنانية، ولن تتركهم لمواجهة التغيير الحاصل لموازين القوى في سوريا، واشار الى ان الانسحاب العسكري لا يعني خروج المنطقة من دائرة اهتمام الادارة الاميركية، مؤكدا ان اصرار الخارجية الاميركية على حضوره شخصيا بالتزامن مع جولة وزير الخارجية في المنطقة لها دلالات يجب ان تقرأ جيدا على الساحة اللبنانية، وهي رسالة واضحة الى حزب الله والمحور الذي يمثله، بان واشنطن لن تسمح بتجاوز مصالح «الحلفاء» على الساحة اللبنانية..
وبحسب تلك الاوساط، فان الاكثر خطورة في طروحات هيل كانت استمزاج رأي الحريري في مسألة دعوة لبنان لحضور قمة وارسو في بولندا المزمع انعقادها في شهر شباط المقبل، وطرح العديد من الاسئلة حول اهمية قيام ادارته بهذه الخطوة لجهة اخراج لبنان من التصنيفات المعتادة التي تشير الى سيطرة حزب الله على مقدراته السياسية والامنية، وكان حريصا على معرفة كيفية تصرف الدولة اللبنانية مع دعوة مماثلة، ومدى تاثير هذا الامر على التوازنات الداخلية، مؤكدا ان بلاده مستعدة لدعم خيار القوى السياسية اللبنانية التي ستؤيد حضور المؤتمر. ووفقا للمعلومات، لم يكن الرئيس الحريري متحمسا للطرح الاميركي وشرح وجهة نظره الداعمة للسياسة الاميركية التي تعمل على الحد من النفوذ الايراني الذي يعاني منه لبنان، لكنه شدد على ضرورة المحافظة على معادلة النأي بالنفس القائمة في البلاد راهنا، مؤكدا ان طرحا مماثلا سيثير انقسامات لا ضرورة لها في هذه المرحلة الشديدة الحساسية حيث لا تزال القوى السياسية غير قادرة على تشكيل حكومة. وقد وعد هيل بنقل وجهة نظر الحريري الى ادارته على ان "يبنى على الشيء مقتضاه".
ووفقا لتلك الاوساط، لم يحمل الدبلوماسي الاميركي معه "خطة عمل" قائمة بذاتها حول كيفية تعامل ادارته مع المرحلة المقبلة، ودور لبنان في مرحلة المواجهة مع حزب الله وايران في المنطقة، ويمكن اعتبار زيارته استطلاعية من جهة، ومحاولة لتاكيد الحضور الاميركي من جهة اخرى في ساحة اختلت فيها التوازنات على نحو واضح لصالح المحور المقابل، لكنه شدد على ان اسرائيل ابلغت الولايات المتحدة عدم رغبتها في التصعيد على الحدود الجنوبية..
الى ذلك، وأشارت مصادر مواكبة، لـ"الشرق الأوسط"، إلى أن السفير هيل لم يطرح مع رئيس الجمهورية توجيه دعوة إلى لبنان لحضور مؤتمر وارسو ببولندا، عندما التقاه أمس في إطار جولته على أركان الدولة ومسؤولين لبنانيين آخرين.