من بين رؤساء الجمهوريات، الذين تعاقبوا على الحكم منذ الإستقلال حتى اليوم، لم يُطلق على أي منهم لقب "الرئيس القوي"، وهو لقب تميّز به حتى قبل إنتخابه الرئيس ميشال عون.
ومن بين الرؤساء من أطلقت عليه ألقاب كثيرة، كألمعية الرئيس بشاره الخوري وسحر الرئيس كميل شمعون وعصامية فؤاد شهاب وثقافة الرئيس شارل حلو وفروسية الرئيس سليمان فرنجية وصبر الرئيس الياس سركيس، وحنكة الرئيس الياس الهراوي، ولكن لم يُطلق على أي الرؤساء الراحلين، أو الذين لا يزالون أحياء يرزقون، أطال الله بأعمارهم، لقب "الرئيس القوي".
وهو فضلًا عن حيثيته النيابية والشعبية في بيئته المسيحية، التي أهلته ليصعد سلم الرئاسة الأولى قفزة واحدة، جاء إلى بعبدا وهو محصّن بثلاثة إتفاقات أو تفاهمات أو تسويات:
الأول، تفاهم مار مخايل، الذي أرسى علاقة إستراتيجية بين "التيار الوطني الحر" وبين "حزب الله"، وهو تفاهم أخذ الوقت الكافي لكي يأتي بالصيغة التي خلص إليها، وهي صيغة أثبتت الوقائع أنها قابلة للحياة، على رغم مرور العلاقة بين الحزب والرئيس الحالي لـ"التيار" الوزير جبران باسيل بطلعات ونزلات.
الثاني، إتفاق معراب، الذي كرّس ورقة النوايا بين التيار و"القوات اللبنانية"، والذي على اساس بنوده تبنّى الدكتور سمير جعجع ترشيح العماد عون لرئاسة الجمهورية، وهو إتفاق لم يصمد كثيرًا بعد الإنتخابات الرئاسية، وبعد تداخل المصالح بين الفريقين المسيحيين وعدم التوافق على مضامينه وعدم إلتزام "التيار" بحرفيته.
الثالث، وهو التسوية السياسية التي تمّت في "بيت الوسط" بين الرئيس سعد الحريري والوزير باسيل، والتي أرست علاقة متينة بين الرئاستين الأولى والثانية في كثير من الملفات، وإن تخلل هذه العلاقة بعض الفتور، لكنها أثبتت فعاليتها عندما واجه الحريري أزمة إعلان إستقالته من الرياض. وهي تمرّ اليوم بمراحل متعرجة، وهذا ما يؤخر، كسبب من بين أسباب كثيرة، تأخير ولادة الحكومة.
ولأن "الرئيس القوي" المحصّن بتفاهمات وإتفاقات وتسويات، على رغم العلاقة المتوترة بينه وبين الرئيس نبيه بري والوزير السابق وليد جنبلاط، قادر على أن يحكم بما يشبه الإجماع الوطني، وهو يملك من الأوراق الكثيرة التي تجعله بغير حاجة إلى ضمانة "الثلث المعطّل"، الذي يبدو في الظاهر أنه من بين المسببات، التي تجعل عملية تأليف الحكومة متعثرة.
وفي رأي بعض الأوساط السياسية المسيحية أنه لو صمد إتفاق معراب أمام عواصف المصالح الضيقة لما كان مسيحيو السلطة في حاجة إلى "الثلث الضامن"، الذي يوازي من حيث مندرجاته ما يملكه الآخرون من أوراق تعطيلية تجعل الحكومة خاضعة لموازين القوى الداخلية المتأثرة بالضغوطات الخارجية.
أما والحال اليوم هي على غير ما كان يؤمل منها فإن "الثلث المعطل" لفريق العهد بات مطلبًا أكثر من ملحّ، من وجهة نظر "العونيين"، الذين يرون أن لا مشكلة في هذه القضية عند كل من الرئيس الحريري و"حزب الله"، لتبقى المشكلة محصورة عند الفئات المسيحية، وهي أخذت حيزًا واسعًا من مناقشات لقائي بكركي.