كتب نسيم ضناوي: غرقنا بتفاصيل احتراق جورج زريق، هل أخطأ أم أصاب، وراح محللو منصات التواصل الاجتماعي في سيناريوهات الجيوبوليتيك والبوليتكنيك وميثولوجية الاب المقهور وميكانيزمات الصراع النفسي الداخلي عند جورج قبل واثناء وبعد عملية الاشعال.
ونسينا أن احتراق جورج زريق نتيجة ونهاية وليست السبب.
نسينا أن جورج يعيش الظروف ذاتها التي يعيشها مئات الآلاف من اللبنانيين تحت خط الفقر والعوز مع أنه يعمل ويكافح.
نسينا أن ثروة الوطن اللبناني بيد مجموعة حاكمة فاسدة نهبت الاخضر واليابس واستولت على كل مقدرات الوطن وثروات المواطن.
نسينا أن التربية في لبنان بيد من تربى على السمن والعسل ومن ولد وفي فمه ملعقة ذهب إسمها الطائفة والمذهب والحزب والسياسة.
نسينا أننا في بلد يعيش فيه ضعفي عدد سكانه ضيوفا لكنهم يعملون وأبناء البلد عاطلون عن الامل والعمل.
نسينا أن دمعة طفلتك وهي مكسورة الخاطر لعدم السماح لها بتكملة سنتها في مدرستها او لأن والدها ليس على قدر المسؤولية في تأمين حياة رغيدة لها ولأخوتها، تجعل ما تبقى من عقل في رأس والدها ذرو الرياح.
نسينا أنهم سرقوا حتى أحلامنا بأن يصبح لبناننا بلد نفطيا لننعم بشئ من الكرامة، وهم على طريق اقتسام الصندوق السيادي النفطي حتى قبل استخراجه.
نسينا أننا في بلد يدفع فيه المواطن عصارة جهده وتعبه لمافيات الفساد العامة والخاصة مرتين في الكهرباء والماء والتعليم والمواصلات والاتصالات وكل مفاصل الحياة اليومية اللبنانية.
نسينا أننا في وطن هجرة العقول واللامعقول، في وطن عدد أبنائه في الغربة يساوي أضعافا مضاعفة لعدد المقيمين، هذا إذا كانوا أصلا ما زالوا مؤمنين أنهم أبناؤه.
نسينا أننا في ديموقراطية التكاذب اللبناني، ننتخب الزعيم ولو كان لئيم، ونسجن أحلامنا بين يديه أربع سنوات وربما أكثر لمجرد أن خطابه غرائزي طائفي أو أنه متمول نتأمل ان يستثمر في ديموغرافيتنا ويحل كيسه المرصود في سويسرا وبورصات نيويورك وشركات تبييض الاموال في أميركا الجنوبية.
نسينا أننا في بلد ما زال ابن البيك ولد، لكنه سر أبيه وقد سلمه سياستنا على طبق من ذهب فهو ابن بيت عريق ينجي الغريق ويغيث الملهوف ويطعم الملفوف لضيوفه.
نسينا وجودنا في بلد الصهر فيه مسند ضهر وحامي الحمى ومرتكزا من مرتكزات السلم الأهلي ووعاء من قصدير لحماية الانصهار الوطني مع مئات الخطوط تحت كلمة إنصهار مع كثير من رشات البهار.
نسينا الكثير الكثير وركزنا في تفاصيل قتل جورج زريق على يده حرقا، وتوخينا دقة الخبر وإنتظرنا الصور الواردة من كاميرات تجار التعليم وعديمي الانسانية وغيلان الطائفية والمذهبية. وفكرنا في مصير أولاد جورج الذين إحترق جورج تفكيرا بهم، ويأسا أمامهم، قبل أن يحرق نفسه ويتركهم بلا معيل، لكن عويل رجولته في عقله البسيط، وفائض المشاعر في قلبه الكبير، غادر مع جورج إلى من يعلم السر وما يخفى.
فلنقل خيرا او لنصمت والجمرة ما بتحرق إلا محلها.