تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

"جورج" عاش ميتاً قبل أن ينتحر

احمد الزعبي

|
Lebanon 24
11-02-2019 | 03:58
A-
A+
"جورج" عاش ميتاً قبل أن ينتحر
"جورج" عاش ميتاً قبل أن ينتحر photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
تباينت تعليقات المتابعين لحادثة إقدام المواطن جورج زريق على حرق نفسه في باحة مدرسة يأساً، بعد عجزه عن تأمين أقساط بناته وتمنّع إدارة المدرسة عن إعطائه إفادة لنقلهنّ إلى مدرسة أخرى، بين من حمّل النظام السياسي القائم على سياسات زبائنية وغير إنسانية مسؤولية ما جرى للرجل الذي تحوّل بفعل موته التراجيدي إلى بوعزيزي لبنان (لكن مع استحالة أن يطلق هذا الموت ثورة ضد النظام)، واستحضر هؤلاء الأرقام الصادمة لتقارير التنمية البشرية حول نسب الفقر والبطالة، وطالبوا الحكومة بتبني سياسات اجتماعية اكثر إنسانية وعدالة، في مقابل آخرين وضعوا ما جرى في إطار مشكلة شخصية مع مؤسسة تعليمية يمكن أن تكون هي تعاني أيضاً، وطالبوا الدولة بتحسس آلام الفقراء وذوي الدخل المحدود في مسألة التعليم بوصفه مدخلاً لهؤلاء للترقي الاجتماعي والحياتي.
Advertisement

وما بين هذا وذاك من الآراء، دفع جورج "أغلى قسط" وغادر بحزن وحرقة وغصة، لأنه باختصار – كما قال مغرّد لمّاح – لم يمت.. هو عاش ميتاً!!

في لبنان قلّما تعيش مسألة صادمة أو فضيحة أو كشف ملف فساد، حتى لو اتخذت شكل قضايا الرأي العام، وقتاً طويلاً. النَفَسَ اللبناني قصيرٌ في التعامل مع هذه المسائل وأشباهها. الاختلالات وغياب حسّ المواطنة وتراجع حقوق الإنسان وانتشار ثقافة التعايش مع الفساد والفاسدين يحيل كل شيء، مهما بلغت درجة فضائحيته، إلى النسيان الذي يطوي الأحداثَ كطي السجل للكتب. وأغلب الظن أن مأساة جورج سيطويها النسيان قريباً جداً، لكن ذلك لا يعفي من تسجيل ملاحظات للتاريخ وللتذكّر والاعتبار.

أولاً: ينطوي تحميل إدارة المدرسة التي حصلت الحادثة في باحتها مسؤولية ما جرى كثيراً من المجازفة، والظنُّ أنها لو علمت بنية الرجل إنهاء حياته لما توقفت للحظة عن منحه ما يريد، لكن ذلك لا يعفي النظام التعليمي في لبنان من ملاحظات كثيرة، إذ لا يخفى أن ثمة ما يشبه المخطط الخطير الذي يتقصّد تدمير التعليم الرسمي في هذا البلد، مع أن ملاك هذا القطاع يعتبر من أكبر الملاكات العامة، وهو يكلّف الدولة ميزانيات مهولة لمصلحة شبكات المدارس الخاصة التي تعتمد ذهنية المقاولات في التربية. 

وكشف الناشط جواد عدرا في تغريدة أنه، ووفقاً لإحصائيات دقيقة، تدعم الدولة المدارس الخاصة بـ 516 مليار ليرة سنوياً كمنح مدرسية لتعليم أبناء الموظفين. وبدلاً من تحفيز أساتذة المدارس الرسمية لإرسال أبنائهم إلى المدارس الخاصة، يتوجب تعزيز التعليم الرسمي، هكذا يتم التعامل بمسؤولية مع حادثة المواطن المقهور جورج زريق، وما تبقى مجرد كلام".

نعم، بين ارتفاع أقساط المدارس الخاصة، وتدني مستويات التعليم الرسمي، وغياب خطط جدية وفاعلة لتعزيز المدرسة الرسمية في مقابل الغلاء والفقر والبطالة ثمة مشكلة تمس هذا القطاع.

ثانياً: يمكن وصف مطالبة الحكومة بأن تكون أكثر رحمة ورأفة وتحسساً لآلام الفقراء بأنه نكتة سمجة. من قال إن السياسات في لبنان منذ ما بعد انتهاء الحرب الأهلية، تُبنى على أسس إنسانية وعلى احترام الحقوق الأساسية، وعلى قواعد التكامل وتمكين الطبقات الأكثر حاجة وفقراً... غرق لبنان بالتنظير لسياسات اقتصادية وإصلاحات وهندسات مالية أثقلت كاهل الفقراء وأغرقت الفئات المتوسطة وما دونها بأعباء وضرائب، ولم تخدم سوى أصحاب المصارف وطبقة صغيرة من أشباههم. بهذا المعنى فإن فئات كثيرة في لبنان تحترق تباعاً وبطرق مختلفة وأساليب شتى، لكنهم يؤثرون الموت البطيء والخنوع للظلم المعيشي والاجتماعي والسياسي والطائفي، متعاطفين حتى الصميم مع جلاديهم لأسبب ليس المقام هنا لشرحها.

غياب السياسات الحكومية الإنسانية، وإنتظار حلول الكارثة ليظهر متعاطف من بلاد الله الواسعة ليكفل أبناء هذا أو يعالج ذاك المريض أو يؤوي تلك المحتاجة.. يحيل إلى حوادث حزينة كثيرة تكاد تحصل بشكل يومي.. وتكشف أن حالنا ليست بخير.

قبل شهر استضافت بيروت قمة عربية تنموية، تخللها طرح مبادرات وتحليل تقارير وأرقام ورؤى عن الارتقاء بالإنسان العربي.. ما علينا.. لم يهتم أحد بمضمون القمة بمقدار الاهتمام بمستوى التمثيل فيها ومغزاه ودلالاته وما إذا كانت بيروت لا تزال تستطيع أن تشكل نموذجاً للتنمية والاهتمام بالإنسان. وخلال اليومين الماضيين استضافت دبي قمة عالمية للحكومات شارك فيها ممثلون عن 140 حكومة و600 متحدث و4000 مسؤول من قطاعات حكومية وخاصة لمناقشة مستقبل تحسين حياة المجتمعات الإنسانية، بوصف دبي المنشغلة أساساً بنشر السعادة والتسامح وغزو الفضاء وإعداد استراتيجيات لمائة سنة مقبلة تصلح لهكذا مهمة. ولله الأمر من قبل ومن بعد.



المصدر: لبنان 24
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك