تعود أزمة الكهرباء إلى ما قبل الحرب اللبنانية، وإن لم تكن التغذية اليومية بالتيار مقنّنة كما هي عليه اليوم، وكما كانت منذ سنوات، وذلك بسبب سوء إستعمال هذا المرفق، الذي يُعدّ في دول العالم مرفقًا مربحًا، سواء بالنسبة إلى الدولة، حيث تكون إدارته محصورة بإجهزتها، أو سواء بالنسبة إلى الشركات الخاصة، التي تقدّم لمواطنيها خدمة متواصلة وبمواصفات عالمية مقابل أسعار متعارف عليها، وهي تختلف بين دولة وأخرى، وذلك يعود إلى التقنية التي تتبع، في هذه الدولة أو تلك، التي تفتش دائمًا عن مصادر للطاقة بأقل كلفة ممكنة وبأقل أضرار على البيئة.
وللذين يتذكرون، وقبل أن تتحوّل شركة الكهرباء إلى شركة تكلف المكلف اللبناني من جيبه الخاص ما يقارب المياري دولار سنويًا، مع تقنين يصل في أغلب الأحيان إلى 12 ساعة في اليوم الواحد، وربما أكثر، كيف كان مشروع سد الليطاني، قبل أن يحوّل الإهمال وقلة المسؤولية مياه النهر وبحيرة القرعون إلى أكبر كارثة بيئية وإلى تجمّع لكل أنواع السرطان، يمدّ كل لبنان بالطاقة بأقل كلفة وبأقل ضرر بيئي، وكان يبيع ما يفيض عن حاجة لبنان لسوريا.
وللتذكير أيضًا فإن المهندس عبد العال، الذي توفي شابًا، كان يعتبر أن "البلاد التي تفجر فيها النفط ستبقى ذات أهمية اقتصادية خاصة ما دام زيتها لم ينفد وما دامت حاجة العالم الى الزيت، الا أنه يرجح أن تبقى الأنظمة النهرية الكبرى هي مركز الثروة والقوة الاقتصادية".
ومنذ أن دخلت "سوسة" الفساد إلى لبنان ونخرت جسمه، وكان لشركة كهرباء لبنان القسم الأكبر من هذا النخر، نتيجة وضع اليد عليها من قبل السلطة السياسية، بدأ الدين يتراكم فوق رؤوس اللبنانيين، وبدأت وضعية الكهرباء تتراجع، سنة بعد سنة، ولم تنفع معها المعالجات في إيصال التيار إلى المنازل والمعامل والمستشفيات والمؤسسات 24 على 24 ساعة يوميًا، ولم تنجح أيضًا في وقف النزف المستمر لخزينة الدولة.
فمنذ أن حلّت "دولة الموتورات" مكان الدولة واللبناني يعيش، كل يوم بيومه، وهو يحلم بأن تأتي "كهرباء الدولة" 24 على 24، وأن يتخلص من عبء دفع الفاتورة فاتورتين، وهو الذي يدفع أساسًا مليارات العجز السنوي، أي أن فاتورة الكهرباء تستنزف ما يقارب نصف الحدّ الأدنى للإجور، وهو الذي سئم ترداد إسطوانة "إجت الكهربا وراحت الكهربا".
ومنذ ذاك التاريخ ونحن نسمع عن اقتراحات تأتي من الخارج، لحل معضلة العصر، وهي تأتي من سوريا ومصر وألمانيا وروسيا، وأخيرًا من إيران، من دون أن تلقى آذانًا صاغية من المسؤولين، الذي يرى البعض منهم أن لا مناص في الوقت الحاضر من الإستعانة ببواخر الطاقة، التي يرى فيها معارضو هذا الحل المؤقت مزيدًا من الإستنزاف المالي، الذي بلغ حدودًا لم يعد الوضع الراهن لخزينة الدولة الإستمرار في "لحس مبرد الكهرباء"، مع ما يعنيه ذلك من تأجيل الحلول الممكنة، والتي يمكن أن تكون تجربة شركة كهرباء زحلة نموذجًا لتعميمه على كل لبنان، بحيث تدخل المناطق اللبنانية كافة عصر اللامركزية، فيكون لكل منطقة معملها الإنتاجي، مع ما يفرضه هذا الوضع الجديد من تنظيم الجباية في شكل متوازٍ مع متطلبات وحاجات الناس، وضبط عملية سرقة الكهرباء وتسطير محاضر بالمخالفين.
بإختصار، إذا كنتم فعلًا تريدون وضع حد للفساد إبدأوا من هنا وليس من مكان آخر، مع العلم أن المكان الآخر لن يؤدي إلى نتيجة، وهذا ما يعرفه جيدًا "حزب الله"، الذي يحمل هذه الأيام لواء إسترجاع الـ 11 مليار دولار.