بعد منح الحكومة الثقة كان لافتاً اصرار رئيس المجلس النيابي نبيه بري على ان البرلمان سوف يستعيد وهرته متطلعا الى اهمية ترميم الثقة المتفسّخة بين السلطة التشريعيّة والرأي العام اللبناني، وضرورة إنتخاب المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، وايلائه الإهتمام لجهة احالة القضايا والأسماء لا أن يبقى عاطلاً عن العمل.
لا ريب ان محاربة الفساد ومكافحته ووقف الهدر وتصويب المسار الحكومي، كلها امور تفرض على البرلمان بالدرجة الاولى تفعيل المجلس الاعلى الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء الذي لا يحظى بأي اكتراث من قبل أصحاب السعادة الذين بمعظمهم لا يعرفون أسماء زملاءهم الاعضاء في المجلس الذين جرى انتخابهم بعد العام 2009 (سمير الجسر، نقولا غصن، هادي حبيش، غازي زعيتر، ابراهيم كنعان، نقولا فتوش، سيبوه قلبكيان، مروان حمادة، نايلة التويني، نوار الساحلي)، ومرد ذلك، بحسب هؤلاء أن المجلس لم يجتمع ولم يقم بأية خطوة تذكّر بدوره.
يجمع الخبراء الدستوريون على أن "الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء" لم يشهد منذ إنشائه أية محاكمة تذكر لرئيس او وزير وبالتالي التعويل على محاسبة من تثبت ادانته مع فتح ملفات الهدر في المال العام لايزال بعيد المنال لاعتبارات عدة.
ويتألّف المجلس من سبعة نواب ينتخبهم المجلس النيابي في بدء كل ولاية وفي أول جلسة يعقدها كأعضاء أصيلين، وذلك لمدة ولاية مجلس النواب، ومن ثمانية من أعلى القضاة اللبنانيين رتبةً حسب درجات التسلسل القضائي أو بالنظر إلى الأقدمية إذا تساوت درجاتهم، ويجتمعون تحت رئاسة أعلى هؤلاء القضاة رتبة. تسمّي محكمة التمييز، بجميع غرفها، هؤلاء القضاة العدليين الثمانية بمن فيهم الرئيس، وتسمّي أيضًا ثلاثة قضاة عدليين أعضاء إحتياطيين. ويقوم بمهمة النيابة العامة لدى المجلس الأعلى، قاض تسمّيه محكمة التمييز في هيئتها العامة، إضافةً إلى قاضيين معاونين له.
ينظر المجلس، بحسب الخبير الدستوري الدكتور عادل يمين لـ "لبنان24" في الجرائم المتصلة بخرق الدستور والخيانة العظمى، والإخلال بواجبات الوظيفة هي جرائم سياسية وليست جرائم عادية، وتصدر قرارات التجريم عنه بغالبية عشرة أصوات.
لا تبعة على رئيس الجمهورية حال قيامه بوظيفته إلا عند خرقه الدستور أو في حال الخيانة العظمى، يقول يمين. أما التبعة فيما يختص بالجرائم العادية فهي خاضعة للقوانين العامة· ولا يمكن اتهامه بسبب هذه الجرائم أو لعلّتي خرق الدستور والخيانة العظمى إلا من قبل مجلس النواب بموجب قرار يصدره بغالبية ثلثي مجموع أعضائه ويحاكم أمام المجلس الأعلى المنصوص عليه في المادة الثمانين ويعهد في وظيفة النيابة العامة لدى المجلس الأعلى إلى قاض تعيّنه المحكمة العليا المؤلفة من جميع غرفها.
وعليه، فإن لمجلس النواب، وفق يمين، أن يتهم رئيس مجلس الوزراء والوزراء بارتكابهم الخيانة العظمى أو بإخلالهم بالواجبات المترتبة عليهم (تسيير المصلحة العامة، رفض الوزير توقيع مرسوم يتعلّق بشؤون وزارته وشؤون الحكومة، وامتناعه عن الحضور إلى وزارته) ولا يجوز أن يصدر قرار الاتهام إلا بغالبية الثلثين من مجموع أعضأء المجلس. ولا تجوز إقامة دعوى جزائية على أي عضو من أعضاء المجلس بسبب الآراء والأفكار التي يبديها مدة نيابته·ولا يجوز أثناء دور الانعقاد اتخاذ إجراءات جزائية نحو أي عضو من أعضاء المجلس أو إلقاء القبض عليـه إذا اقترف جرماً جزائياً إلا بإذن المجلس ما خلا حالة التلبس بالجريمة.
أما الوزراء ورئيس الوزراء فلا حصانة لهم ولكن ملاحقتهم أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء دونها عقبات جمة حالت لغاية اليوم من دون أن يشهد هذا المجلس أي محاكمة. لأن الإحالة عليه، كما يؤكد يمين، لا يمكن أن تتم إلا بناء على قرار اتهام يصدر عن مجلس النواب بأغلبية الثلثين وهي أغلبية كبيرة ليس من السهل توافرها ، فضلا عن أن قرار الإدانة في المجلس الأعلى يحتاج إلى تأييد عشرة أصوات من أصل خمسة عشر.