من دون سابق إنذار بلغ التوتر السياسي أشده في لبنان واستعيد التصعيد في المواقف والخطاب السياسي. صحيح أن الشعار المرفوع بمكافحة الفساد من شأنه تشظي الواقع السياسي والطائفي في لبنان، غير ان الاجواء المشحونة عاكست الحسابات التي راجت حين تشكيل الحكومة عن استقرار مزعوم واندفاعة في عمل الدولة والمؤسسات والانصراف الى معالجة الازمات الاقتصادية و الاجتماعية .
من غير الممكن الاقتناع بمبررات حملة مكافحة الفساد ووقف الهدر المالي وفق وتيرة سريعة من دون التفتيش عن خلفيات تستدعي توتير الساحة السياسية طالما ان الطبقة الحاكمة الحالية لا تزال تمسك بمفاصل الدولة منذ ما يقارب 30 سنة من دون تغييرجوهري سوى دخول اطراف اخرى في العام 2005 وما تلاها، ولعل النكتة التي اطلقها نائب معارض عتيق توصف الواقع حين قال "حكامنا يقدمون نقدا ذاتيا قد يبلغ زج انفسهم في السجون طوعياً".
في هذا المجال، يفيد المطلعون عن اسباب اعمق بكثير وربما اخطر وراء استعادة شعارات مرحلة الانقسام السياسي السابقة تتعلق بمسار تصنيف "حزب الله" كمنظمة ارهابية وما يليها من إجراءات تصيب الواقع اللبناني بالصميم، يضاف الى ذلك وخلال المرحلة المقبلة اصدار القرار الظني للمحكمة الدولية الذي بات شبه معلن بأنه سيدين "حزب الله" بالتورط بعملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
فزيت الضغوط الغربية والتشدد الاميركي على "حزب الله" فوق زيتون الضرائب والرسوم ضمن مندرجات مؤتمر"سيدر" برعاية فرنسية مطلقة يستدعي استنفار "حزب الله" الكامل والمواجهة على كل الجبهات. من هنا شكّل تحرك النائب حسن فضل الله رأس حربة عبر ملف ال11 مليار، والذي من السذاجة القول بأنه يتوقف عند فؤاد السنيورة حصرا بصفته وزير مالية ثم رئيس حكومة من دون ادانة نهج الحريرية السياسية بما فيها مؤسسها وشهيدها الراحل رفيق الحريري .
وفق مصدر سياسي مطلع، فإن "حزب الله" لجأ الى خطة استباقية في طريقة تعاطيه مع الشأن الداخلي وتحديات المرحلة المقبلة عبر استعادة التجاذبات السياسية ورفع المتاريس في وجه تيار"المستقبل" و رئيس الحكومة تحديداً من باب مكافحة الفساد والمسؤولية عن الهدر المالي، وما خفي اعظم من ذلك بكثير .
يستدرك المصدر عينه بالإشارة إلى مصلحة "حزب الله" تأمين حد أدنى من الاستقرار السياسي والامني كونه الظهير الذي قد يستند إليه لمواجهة عواصف العقوبات الغربية، لكنه يشترط الحزب اقترانه بحماية لبنان الرسمي بصفته مكوناً سياسياً رئيسياً في لبنان ينبغي الدفاع عنه في المحافل الدولية على غرار ما فعله رئيس "التيار الوطني الحر" الوزير جبران باسيل مسرعا، في حين لا يمكن انتظار نفس الموقف من جانب الحريري ما يحتم المواجهة الداخلية ودخول حكومة "الى العمل" في مرحلة تصريف الاعمال منذ جلساتها الاولى .