إذا كان الناس العاديون يؤخذون بمظاهر الأمور وبالشعارات الرنانة والمضخّمة وغير المسندة إلى وقائع حسية، والتي يعتقدون أنها صائبة ومفيدة وقد تكون لمصلحتهم وتصب في خانة الدفاع عن حقوقهم ومحاولة رفع الأعباء الكثيرة عن كاهلهم، فهم معذورون، ولهم أسبابهم التخفيفية.
أما أن يستمر المسؤولون، أيًّا كانت مستوياتهم ومسؤولياتهم السلطوية، وأيًّا كانت المهام الملقاة على عاتقهم، في غش أنفسهم قبل أن يغشوا الناس، الذين لأسباب عدة وثقوا بهم وظنوا أن المن والسلوى قد يأتي على أيديهم، وهم الذين توالوا منذ إتفاق الطائف على إنتاج أنفسهم بأنفسهم كطبقة سياسية حاكمة لم تقدّم ولو حلًا واحدًا للأزمات المتراكمة، والتي أثقلت كاهل المواطن، الذي أعتقد، خطأ، أنه قادر على التغيير من خلال قانون إنتخابي على أساس النسبية، فكانت النتيجة أن الطبقة السياسية نفسها قد عادت لتحتل أماكنها في المجلس النيابي، ولو بوجوه جديدة، باستثناء بعض الحالات، التي شذت عن القاعدة، وإن كان المؤمل أن تكون هذه الوجوه الإستثنائية هي القاعدة بدلًا من أن تخضع القاعدة القائم عليها النظام الطائفي هي الإستثناء.
ولئلا يؤخذ البعض بشعارات يُعتقد أنها أصبحت من الماضي، وأنها لم تعد تنفع للزمن الحاضر القابل على التغيير، ليس كل يوم، بل كل لحظة، نكتفي بإلقاء نظرة، ولو سريعة، على ما ورد في مؤتمر "سيدر"، فيتبين للجميع، بإستثناء بعض المستفيدين، أن المشاريع الملحوظة فيه تهدف إلى الإستثمار بالبنى التحتية، كالطرقات والمياه والكهرباء، وفي مشاريع أخرى لن تفسح في المجال أمام فرصة تطوير الوضع الإقتصادي في شكل دائم وتوفير فرص عمل للآف من الشباب اللبناني، وليس فرص عمل مؤقتة، تعود بالنفع على النازح السوري، بإعتبار أن معظم المشاريع الملحوظة في "سيدر" تحتاج إلى يد عاملة تتوافر شروطها مع طبيعة الأعمال التي كان يقوم بها السوريون في لبنان قبل تهجيرهم.
ومن دون الإلتفاف حول المشكلة الأم، يعتقد بعض الخبراء أن أموال "سيدر" مرصودة من أجل تطوير البنى التحتية للبنان، لكي يستطيع أن يستوعب النزوح السوري لفترة أطول مما كان البعض يعتقد.
ومختصر القول يظن بعض الباحثين والخبراء أنه لولا النزوح السوري في لبنان لما كان "سيدر"، ولما كان من "يسديرون". وقد يكون لهذا الكلام "الواقف"، والذي يرفضه بالطبع المسؤولون الذين ينتظرون المشاريع "السيديرية" بفارغ الصبر، لألف سبب وسبب، يذكر البعض بأن إصرار المجتمع الدولي على الإستقرار في لبنان لم يكن كرمى عيون اللبنانيين، بل مخافة أن يتأثر النزوح السوري، من خلال تأثر لبنان بأزمات محيطه، فتكون النتيجة إنتقال هؤلاء، كما حصل في فترات سابقة، إلى الدول الأوروبية، التي لا تتحمّل هذا الكمّ من النزوح.
وإستتباعًا لهذا كله، وعلى رغم الكلام غير المطمئن الذي قاله الموفد الفرنسي بيار دوكان في جلساته المغلقة، والذي تم تسريبه إلى الإعلام، فإن مشاريع "سيدر" لن تبدأ مفاعيلها الفعلية والتنفيذية قبل سنة على أقل تقدير، مما يعني أن الأوضاع الهشّة في لبنان مرشحة للإستمرار إلى أن يبدأ الإستثمار "السيدري"، مما يعني أن ما ينتظره لبنان في الفترة المنظورة يتطلب من الحكومة، التي أخذت على نفسها مهمة العمل على فكفكة "شيفرة" الأزمات المتراكمة، أن تفعّل أجهزة الرقابة لكي يصبح شعار مكافحة الفساد واقعًا وليس مجرد شعارات موسمية.