ما بين "البيال" وقاعة كنيسة مار الياس أنطلياس معرضان سنويان للكتاب، وفيهما تعرض دور النشر الآف الكتب، التي تغني المخزون الثقافي لدى الساعين إلى الإستزادة في المعرفة والإطلاع على كل جديد، وهذا ما يميز الشعوب التي تقرأ، في زمن باتت القراءة في عالم الإنترنت مقتصرة على فئة قليلة من المثقفين، الذين هم أنفسهم يتوافدون كل سنة إلى معارض الكتب لإختيار ما يتناسب مع ما يتطلعون إليه لإغناء ما أكتسبوه من معرفة متراكمة يوميًا.
بالأمس زرت معرض الكتاب في انطلياس، وجلت في أروقته لأنتقي بعض الكتب بما تسمح لي ميزانيتي. وبعد جولة تصفحية من دار نشر إلى آخر، تبيّن لي في محصلة سريعة وفي حسبة على طريقة ستي أنه لو تركت مجالًا لنهمي لكانت النتيجة الحسابية أكثر مما كنت متوقعًا وأكثر من طاقتي الشرائية، مع العلم أن ثمة كتبًا قيمة تستحق عن جدارة التمعن في قراءتها وإقتنائها، ولكن "العين بصيرة واليد قصيرة".
وعلى رغم ضيق الحال سمحت لنفسي بقليل من "البعزقة"، ولم أستطع أن ألجمها عن شراء ما تيسّر من كتب أعتبرها من ضروريات الغذاء الثقافي، تمامًا كضرورة الرغيف، ومع هذا تملكّني شعور بالحسرة وبعض من اليأس، إذ رأيت أناسًا كثيرين يمرّون أمام رفوف الكتب، يتصفحون بعضها ويقلبون صفحات البعض الآخر، ولكنهم سرعان ما ينتقلون إلى "ستاندات" أخرى، من دون أن يتمكّنوا من شراء ما يحلو لهم من هذه الدار أو تلك، وما فيها من كتب قيمّة ومفيدة أستلزمت من كتّابها الكثير من السهر والتفكير والبحث المضني.
وقبل أن أتوقف أمام زميلي وصديقي حبيب يونس ليوقع لي كتابه الجديد "فليسفاء"، أستحضرني ما تقوم به دولة أرمينيا سنويًا، إذ تخصّص يومًا واحدًا في السنة تطلق عليه "يوم الكتاب"، وهي ترصد له موازنة خاصة من أجل شراء كميات كبيرة من الكتب المعروضة في هذا اليوم، وتقوم بتوزيعها على المواطنين مجانًا بالقدر الذي تسمح به موازنتها، وبذلك تكون مساهمة اساسية في تشجيع الكتاب والمفكرين، الذين يطمئنون إلى أن إنتاجهم الفكري لن يذهب سدى، وكذلك تشجيع الناس على القراءة والإفادة مما تحتويه هذه الكتب من غنىً ثقافي تراكمي يمتد من جيل إلى آخر.
فوضع أرمينيا المالي والإقتصادي ليس أفضل من وضع الدولة اللبنانية، وهي مع ذلك تخصّص جزءًا من موازنتها السنوية لإنعاش الحركة الثقافية. فماذا ينقصنا للقيام بهذه الخطوة بدل صرف المليارات على سفرات لوزراء ومديرين عامين وموظفين. فليكن الكتاب كالطحين والشمندر السكري مدعومًا من قبل الدولة، ولو بنسب مقبولة. فإذا طُبقت هذه الخطوة تكون الدولة مساهمة في توسيع دائرة المعرفة والثقافة، وهي التي تميز الشعوب وتجعلها أكثر قابلية للإنفتاح على الحضارات والثقافات، إذ "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان".