تكاثرت في الفترة الاخيرة حركات الاعتراض الشعبية والمناطقية تحت عناوين بيئية؛ فمن الاعتراضات على قضية ادارة النفايات لا سيما في مطمر الناعمة (مع توقع حصول اعتراضات اوسع في اللحظة التي سيعلن فيها عن مواقع جديدة لمتعهدين جدد)، الى الاعتراض على انشاء معامل للاسمنت في زحلة وعين دارة وجنتا، الى الاعتراض على السدود غير الضرورية وغير المدروسة كما في جنة وحمانا، الى الاعتراض على تلوث المعامل الحرارية لتوليد الطاقة الكهربائية كما في الجية سابقا والزوق (نهاية هذا الاسبوع)... وغيرها من الحركات الاعتراضية المتفرقة التي يمكن ان يضاف اليها الاعتراض على إضافة الفلور الى الملح والاعتراض على شق طرق في الوديان وما تسببه ردمياتها او في الأماكن التراثية... والتي تتصف في غالبيتها بالمناطقية وبعدم ترابطها من جهة وبالمشروعية والأحقية من جهة اخرى.
كما تتصف هذه التحركات في معظمها بأنها ناجمة عن امتعاض السكان المحيطين بمواقع المنشآت الملوثة وليس نتيجة تحرك حركة بيئية منظمة لها خلفيتها الفكرية الشاملة وبرامجها البديلة (او المعالجة) لهذه المشاكل.
ليس لدى الحكومة حجج قوية لاقناع الناس بسياساتها في انتاج الطاقة ولا في ادارة المياه المتوفرة ولا في ادارة النفايات ولا في إدارة قطاعات المقالع والكسارات والاسمنت...الخ، فمعظم القرارات الحكومية لا تصدر إلا بعد محاصصة ما. وهذه المحاصصات، بالرغم من طعنها بمفهوم ودور الدولة الراعية، ليست حتى "محاصصات مناطقية"، والا لكان تقاسم سكان المناطق المكاسب والعواقب (البيئية) برضا نسبي. فالمحاصصة هي بين افراد او قيادات او أحزاب (في السلطة) في أفضل تقدير. ولا تشعر الاكثرية الساحقة من الناس انها ممثلة او انها مستفيدة. ولذلك يمكن توقع ان تتفاقم المشاكل وان تخرج عن اي سيطرة في الكثير من المناطق المعترضة.
لم تحقق هذه الحكومة، او الحكومات السابقة، في سياساتها أي نوع من انواع العدالة. حتى انها لم تعدل في توزيع الحصص على ممثلي الكتل النيابية والزعامات لتستوي الامور ويتم تمرير الصفقات بهدؤ، فتشعر كل فئة ان شيئا من "حقوقها" وصل لها وانها على استعداد ان تتحمل تبعات هذه "المغانم" البيئية كتلوث الهواء والتسبب بامراض مختلفة. فمنطق المطالبة بتنمية متوازنة (بدل المتكاملة) الطائفي في ظاهره والتحاصصي في تطبيقاته كمنطق مطالبة بعض الكتل بالعدالة في توزيع المقاعد النيابية على أسس طائفية... بات مدمرا على كل صعيد. فهذا المنطق لم ينفع تاريخيا لا في حل النزاعات ولا في تحقيق العدالة الاجتماعية ولا البيئية كما هو واضح. لم ينتفع من هذا المنطق الا بعض أمراء الطوائف او الحرب وبعض أصحاب الثروات المتحالفين معهم. وقد خلق هذا المنطق أثرياء جددا من دون ان يخلق تنمية اجتماعية عادلة. وعبثا يحاول البعض اليوم تمرير صفقات لإقناع الناس بمكاسبها الجماعية او الوقوف مع المحتجين على عواقب هذه الصفقات البيئية! فهذه اللعبة باتت ممجوجة ومكشوفة جدا.
فالقوى السياسية المشاركة في الحكومات بوضع سياسات الطاقة التي لم تعرف بعد ان تغير فيها لتشجيع انتاج الطاقة من مصادر متجددة ونظيفة بديلة وسياسات توفيرية على المستوى الوطني، لا تستطيع ان تقف اليوم مع الناس المحتجين على تلويث معمل الطاقة الحرارية، وكذلك الامر بالنسبة لإدارة المياه والنفايات، وكذلك الامر ايضا بالنسبة الى فشل هذه القوى في وضع مخطط توجيهي لترتيب الاراضي في لبنان بعيدا عن المحاصصة ويعتمد شروطا محض فنية للفصل بين المناطق الصناعية وغيرها من المناطق ووضع شروط وضوابط على الاستثمارات، تكون لخزينة الدولة الحصة الأكبر فيها وتخدم متطلبات الحياة ولا تؤثر سلبا (بالحد الأدنى) في السكان.
لذلك، من المفترض ان يكون مطلب الجهات المعترضة بحق اليوم على القضايا المصنفة بيئية، تحقيق العدالة البيئية. اي تلك التي لا تتحقق الا على قواعد بيئية - اجتماعية وليست مناطقية او طائفية ومذهبية، مع محاولة ترسيخ مبدأ جديد في لبنان، بان كل مشروع جديد او قديم، حول اية قضية لها انعكاسات بيئية سلبية، لا يمكن ان يكون مقبولا من المجتمع، ما لم يكن مطروحا من ضمن استراتيجية شاملة وعادلة، تحترم مبادئ الاستدامة والعدالة الاجتماعية. تحت هذا السقف فقط، يمكن القبول بعواقب المشاريع البيئية التي لا بد منها، والتي يفترض ان تخفف الى اقصى الحدود المقبولة التي لا تهدد الحياة والتنوع والصحة العامة. وضمن هذه المعايير فان كل المشاريع المذكورة، محل الاعتراض، غير مستوفية لأدنى الشروط وغير مقبولة، وعلينا ان ننتظر تصاعد الحملات المعترضة عليها. وللحديث صلة.
(حبيب معلوف - "السفير")