لم يتمكن بعد صوت التهدئة من أن يعلو فوق صوت التشنج الذي بلغ في اليومين الماضيين حدّه الأقصى مهدداً باسقاط الحكومة، عقب الاشكال الذي وقع بين رئيس الحكومة سعد الحريري، ورئيس التيار الوطني الحرّ جبران باسيل، على خلفية أزمة النازحين في الظاهر، وأزمة التعيينات في الباطن. وبانتظار ما ستحمله الأيام القليلة المقبلة، لا سيّما جلسة مجلس الوزراء التي من المقرر أن تعقد يوم الخميس المقبل، تتجه الأنظار الى بيت الوسط حيث يعود الرئيس الحريري اليوم من باريس والاتصالات التي سيجريها، لا سيّما مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون للملمة الوضع الداخلي.
الانتظار سيد الموقف
اذاً، تريثت مصادر سياسية مطلعة عبر "اللواء"، في التكهن بتوقعات الأسبوع الطالع، وانتظرت التفاهم بين الرئيس الحريري مع الرئيس عون، سواء في ما خص حركة الاتصالات لرأب الصدع الذي خلفته حرب السجالات بين "التيار الوطني الحر" و"المستقبل"، والتي تردّد انها بدأت خلف الكواليس، أو بما يفترض ان يتم من تأمين مناخات هادئة يجب ان تسبق مجلس الوزراء المقرّر مبدئياً الخميس المقبل، من خلال التحضير لجدول أعمال خال من ملفات خلافية، وإلا فإن انعقاد الجلسة في ظل المناخات السائدة سيعرض الحكومة للسقوط، وهو ما لا يريده أحد، إلا إذا كان هناك من يريد قلب الطاولة على الجميع.
وذكرت معلومات ان باسيل أوعز إلى نواب "تكتل لبنان القوي" عدم الانجرار للرد على نواب كتلة "المستقبل"، وانه أبلغ نوابه بالاكتفاء بالقول انه قصد الجميع في خطابه في ذكرى 14 آذار، بمن فيهم رئيس الجمهورية والتيار.
زيارة الوزير جبران باسيل لبيت الوسط، يوم الخميس الماضي، ثبّتت ما كان قد ظهر من إشارات. ما كاد يخرج باسيل من بيت الوسط، حتى فُتحت النار على التسوية الهشّة. لم تكن خطة الكهرباء التي عرضها باسيل هي نقطة الخلاف الوحيدة. الأساس، بحسب مصادر متابعة لـ"الأخبار"، كان ملف التعيينات. لباسيل قرار بالاستحواذ على أكثر من 90 في المئة من الحصة المسيحية. وهو ما لم يوافق عليه الحريري. كذلك، بدا تسريب خطة الكهرباء من قبل مصادر بيت الوسط، قراراً بإجهاضها في مهدها. ذلك أمر يحمل في طياته إشارة إلى خلافات أكبر من تلك المتعلقة بعمل مجلس الوزراء، التي يمكن أن يصل الطرفان فيها إلى نقطة التقاء، على ما تدل تجربة العلاقة بينهما.
لكن مصادر رسمية ما تزال على اعتقادها عبر "اللواء" بأن جوهر الخلاف كان حول ملف النازحين، وانه بات من المفروض التفاهم على سياسة رسمية واحدة وواضحة لمعالجة الملف، وإلا سيبقى الخلاف قائماً بين مكونات الحكومة، وسيبقى السجال محتدماً بين وجهتي نظر، ما يُشكّل لغماً يُهدّد كل الوضع القائم.
وتقول هذه المصادر ان ورقة العمل التي يعمل عليها وزير شؤون النازحين صالح الغريب، والتي ترفضها بعض القوى السياسية سلفاً، إذا ما اشتم منها محاولة تطبيع مع النظام السوري، قد تشكّل ارضية ومنطلقاً للحوار والتفاهم على مقاربة واحدة، ولو جرى تعديل بعض افكارها ومقترحاتها بما يتناسب ومصلح لبنان أولاً.
أبعد من التعيينات والكهرباء
ولفت مصدر سياسي لصحيفة "الشرق الأوسط" إلى أن "الحريري كان واضحاً في عدم مراعاته لإصرار باسيل على حصر حصة المسيحيين في التعيينات بالتيار الوطني الحر، مع أنه يمثل نحو 32 في المائة من المسيحيين". وقال إن رفضه لما طرحه باسيل ينطلق من أنه "ليس في وارد الدخول في مواجهة مع المسيحيين الآخرين الذين يحق لهم الاعتراض على تفرّد وزير الخارجية في مطالبته هذه".
وسأل المصدر: "كيف سيتصرف الحريري في حال تسليمه بطلب باسيل للتعيينات؟ وماذا سيقول للأطراف الأخرى في الشارع المسيحي الذي سينتفض على استئثار التيار الوطني بالتعيينات الإدارية التي لن تقتصر على الفئة الأولى وإنما تشمل الفئات الوظيفية الأخرى في الإدارات والمؤسسات الرسمية؟ وهل من حقه أو يجوز له إلغاء القوى المسيحية ذات التمثيل الوازن في البرلمان والحكومة؟".
وأوضح المصدر أنه لم يعرف الأسباب التي كانت وراء تأجيل تعيين أعضاء جدد في المجلس العسكري لتأمين اكتمال نصابه، مشيراً إلى أن "هذا الأمر نوقش بين رئيس الجمهورية ميشال عون والحريري في الخلوة التي جمعتهما في بعبدا، قبل انعقاد الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء"، وكانت وراء اقتراح رئيس الوزراء تأجيل البحث في هذه التعيينات.
وأضاف أن "وزير الدفاع الوطني إلياس أبو صعب كان أعد المرسوم بخصوص تعيين 4 أعضاء جدد في المجلس العسكري وحمل أسماء العمداء المرشحين للمجلس. ومن بينهم العميد محمود الأسمر على أن يرقّى إلى رتبة لواء ليشغل منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع، لكن جرى الاعتراض على اسمه تارة بذريعة أن الأفضلية للأقدم منه في الخدمة، وأخرى بأن هناك ملفاً له لا يسمح بتعيينه".
ولفت المصدر إلى أن "الحريري طلب ملفه، لكنه لم يتسلم حتى الساعة أي شيء من هذا القبيل". وسأل عما إذا كان لتأخير تعيين أعضاء في المجلس العسكري علاقة مباشرة بربط تعيينهم بالتعيينات الأخرى "وبعضها بات ملحاً، وتحديداً تعيين 4 نواب لحاكم مصرف لبنان الذين تنتهي ولايتهم في مطلع الأسبوع المقبل".
وأشار إلى أن "موضوع الكهرباء حضر بامتياز في لقاء الحريري وباسيل في ضوء مطالبة الأول بضرورة الإسراع في تشكيل الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء ومجلس إدارة جديد لمؤسسة كهرباء لبنان، وهذا ما يلقى معارضة من التيار الوطني الحر ممثلاً بوزيرة الطاقة ندى البستاني، مع أن الحكومة كانت تعهدت في ورقتها الإصلاحية إلى مؤتمر سيدر بتعيين هيئات ناظمة للكهرباء والاتصالات والطيران المدني"
واعتبر رفض باسيل "انقلاباً على ما التزم به في هذا الشأن أمام مؤتمر سيدر". وقال إن رفضه "يعني كأنه لا يريد الاستبدال بالحلول المؤقتة لتأمين تغذية إضافية بالتيار الكهربائي الحلول الدائمة بدءاً بإنشاء معامل جديدة، ما يعني أن من يرفض الربط لا يزال يرجّح خيار الاعتماد على البواخر التركية". واستغرب ربط تشكيل الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء بتعديل القانون الخاص به. وقال: "علينا أن نباشر بتطبيقه ومن ثم نلتفت إلى تعديله، أما الإصرار على الربط من شأنه أن يعيق عملية إصلاح هذا القطاع".
وأكد المصدر الوزاري أن إصرار باسيل على "مصادرة" التعيينات سيواجه برفض من الوزراء المسيحيين من غير "التيار الوطني"، وأيضاً المسلمين، وتوقف أمام قول الوزير السابق يوسف سعادة، القيادي في "تيار المردة" برئاسة الوزير السابق سليمان فرنجية، أن وزير الأشغال المنتمي إلى "المردة" لن يقبل أن ينوب عنه باسيل في تقديم الأسماء المرشحة لشغل المناصب الشاغرة في الوزارة، إضافة إلى موقف "القوات" في حال قفز "التيار الوطني" فوق دور مجلس الخدمة المدنية في إعداد لائحة المرشحين.
ورأى المصدر أن باسيل "يتصرف بعنجهية ويقدّم نفسه على أن تياره السياسي وحده المؤهل لشغل المناصب الإدارية". وقال إن "من يتصرف هكذا يعد نفسه منذ الآن لخوض معركة رئاسة الجمهورية، وإلا فلماذا يريد الإمساك بجميع مفاصل الدولة وإقصاء الآخرين عنها رغم أنه قال في الاجتماع القيادي للتيار إن طرح هذا الموضوع يؤذي العماد وتياره والبلد".
التسوية لم تسقط
في المقابل، تؤكد مصادر وزارية عبر "الأخبار" أن التسوية لم تسقط، وأن الحريري وباسيل لن يختلفا في العمق. فهما متفقان على غالبية العناوين، وأن الايام المقبلة ستشهد عودة إلى التهدئة. وبحسب المصادر، من المحتمل أن تتم اليوم الدعوة إلى انعقاد جلسة لمجلس الورزاء هذا الأسبوع، لافتة إلى أن التعيينات الإدارية لن تفتح باباً للخلاف بين رئيس الحكومة ووزير الخارجية، لأنهما اتفقا على عناوينها العريضة في اللقاءات الباريسية التي فتحت باب تأليف الحكومة. وتجزم المصادر بأن حصة القوى السياسية من غير القوى الكبرى في طوائفها ستكون صغيرة للغاية: مركز وحيد للنائب طلال أرسلان، وآخر لتيار المردة، ومثله للقوات اللبنانية، ومثله للقاء التشاوري. أما المراكز التي يشغلها موظفون شيعة، فستذهب جميعها للذين يختارهم ثنائي حركة أمل وحزب الله. وربما تكون العقدة في بعض المراكز التي يشغلها موظفون مسيحيون في وزارات "تابعة" لتيار المستقبل، كالداخلية مثلاً. وتقول المصادر إن دليلها على أن العلاقة بين الحريري وباسيل ستعود إلى سابق عهدها هو خفض مستوى التراشق الإعلامي بين الطرفين عمّا كان عليه يومي الخميس والجمعة الماضيين، فضلاً عن تعميم باسيل على نواب التيار ووزرائه ومسؤوليه بعدم استهداف تيار المستقبل في أي هجوم سياسي أو إعلامي.
بومبيو في بيروت نهاية الاسبوع
وسط هذه الأزمات، يزور وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو بيروت يومي الجمعة والسبت، وعليه هناك احتمال لانعقاد مجلس الوزراء ظهر الخميس، أي قبل وصوله بساعات، فهل ينعقد في حال لم تنجح الاتصالات بتبريد الأجواء ووقف الحملات الإعلامية، ويقتصر جدول أعماله على بنود عادية نظراً إلى ترحيل التعيينات إلى جلسة أخرى شرط التفاهم المسبق عليها؟ كما ان هذه الزيارة تحتم عليهم، أقله، تنسيق مواقفهم، سواء بما يتعلق بحزب الله وإيران وبالصراعات الحاصلة في المنطقة والعالم، أو بما يتعلق بالصراع مع إسرائيل في البر والبحر وبالثروة النفطية.
وفي هذا الاطار، تشير المصادر الى انه بمجرد انعقاد الجلسة التي تم الاتفاق عليها في الجلسة السابقة لمجلس الوزراء من دون تثبيت موعدها وتوزيع جدول أعمالها، يعني أن الأطراف قررت الدخول في مهادنة، إلا إذا أصر البعض على أن يوجّه رسالة إلى بومبيو يتعامل معها على أنها أول الغيث في مواجهته لما يحمله في جعبته التي لن تريح طبعاً "حزب الله".