مع عودة رئيس الحكومة سعد الحريري الى بيروت، بعد العملية التي أجراها في باريس الاسبوع الماضي، يعود الزخم الى الحياة السياسية، في ضوء الملفات الداهمة التي تسابق العمل الحكومي، والتي تحتاج الى الاقرار سريعاً من خطة الكهرباء الى التعيينات الادارية وما الى ذلك من ملفات أخرى. وعليه فان الأسبوع الطالع سيكون حافلاً بالمواعيد، وسيشكل اختباراً لحكومة "هيا الى العمل" ولمدى قدرتها على العمل الفعلي بعد التعثر المستمر في انطلاقتها وامكان تحقيقها انجازات.
خطة الكهرباء
ولعلّ خطة الكهرباء التي ستواصل اللجنة دراستها اليوم، تشكّل البند الأبرز على جدول أعمال الأسبوع، خصوصاً في ظل الحديث عن اعتراضات على بعض ما ورد فيها.
وفيما أبلغت مصادر وزارية "النهار" ان المشروع سيقر، استمرت الاجواء المكهربة بين "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية". ورأت المصادر ان الاتفاق على المشروع لن تحول دونه المشادات الكلامية، من دون التطرق الى امكان تشكيل وزراء "القوات" وغيرهم جبهة اعتراض قوية داخل مجلس الوزراء.
واكد مصدر وزاري في اللجنة الوزارية المختصة بدراسة خطة الكهرباء لـ"اللواء" ان اللجنة تعقد اجتماعا لها في الرابعة عصر اليوم في السراي الحكومي لاستكمال البحث في الخطة، مشيرا الى ان الاجتماعين الاولين كانا لعرض الاراء والتجارب السابقة ولم يدخل الاعضاء في تفاصيل الاتجاهات والاولويات التي يجب ان تسلكها الخطة وطرق تنفيذها وما هي التعديلات التي يمكن ان تطرأ عليها في ضوء الاختلاف في الاراء بين "التيار الوطني الحر والمستقبل" من جهة وبين القوى الاخرى في الحكومة لا سيما "القوات اللبنانية"، علما ان السجال الاعلامي حول خطة الكهرباء استمر خلال يومي عطلة نهاية الاسبوع بين نواب "التيار والقوات".
في الموازاة، لاحظت مصادر سياسية مواكبة للسجال الدائر حول خطة الكهرباء التي أعدتها وزيرة الطاقة ندى البستاني لـ"الشرق الأوسط" أن هناك مشكلة تتعلق بإنشاء معمل لتوليد الكهرباء في سلعاتا في البترون من ضمن المعامل المُدرجة في الخطة، وعزت الأمر إلى عدم وجود تمويل لبناء هذه المعامل، إضافة إلى التكلفة الباهظة المترتبة على استملاكات الأراضي التي تبلغ نحو 200 مليون دولار.
حاصباني: نسعى لتخفيف الهدر المالي
في هذا الاطار، قال عضو لجنة الكهرباء نائب رئيس مجلس الوزراء غسان حاصباني لـ"اللواء": ان اللجنة ستستمع من وزيرة الطاقة الى اجوبتها حول الملاحظات الفنية التي طلبناها نحن وغيرنا حول الالية التنفيذية للمراحل الاولى السريعة من خطة الكهرباء، من اجل تخفيف الهدر المالي غير التقني، وما هي الاجراءات التي ستتخذ من اجل تحسين وضع شبكات النقل والتوزيع لتتمكن من استيعاب الطاقة المنتجة، وهل يمكن ان تسير عملية زيادة الانتاج عبر تأهيل المعامل اوالبواخر الحالية مع عملية تحسين وضع الشبكات؟ فلا قيمة لزيادة انتاج الطاقة بلا تحسين وضع الشبكات.
واضاف: ان الهدر الحاصل من جراء هذه الامور يبلغ نحو 15 في المائة بينما الهدر الباقي بنسبة 20 الى 25 في المائة هو بسبب ضعف الجباية، والبعض الاخر من الهدر طفيف يبلغ خمسة في المائة هوهدر تقني معروف.
واوضح حاصباني: ان انتاج الطاقة يتزايد من العام 2010 لكن الحاجة ايضا تتزايد، وكلما زاد الانتاج ووضع الشبكات والمعامل على هذا النحو كلما زاد الهدر، لذلك لا بد من التأكد من كيفية تنفيذ خطة الكهرباء وفق مراحل محددة حتى لا تبقى الخطة حبرا على ورق كما كانت خطة 2010، ويتم رمي مسؤوليات التأخير على اتهامات سياسية.
وقال: نحن نسجل ملاحظات تقنية وفنية ولا نزايد سياسياً. لأن قيمة العجز في الخزينة الذي يسببه قطاع الكهرباء يفوق ملياري دولار، ولا بد من حلول سريعة ومدروسة لا ان نكتفي بالعودة الى البواخر لزيادة الانتاج من دون معالجة المشكلات الاخرى.
وفي حديث لصحيفة "الديار" علّق على التباين مع التيار الوطني الحر في هذا الملف وقال: نحن تحدثنا بالتقنيات ورد التيار الوطني على ملاحظاتنا الشفافة بالسياسة. لقد وضعت خطط عام 2010 و2017 واليوم يتم طرح خطة جديدة، وماذا كانت النتيجة، فالخطة ليست ملكاً للتيار الوطني الحر هي خطة لكل لبنان، ونجاح الحكومة في معالجة ملف الكهرباء هو نجاح لنا جميعاً وفشلها فشل لنا جميعاً، فالامور ليست شخصية والكهرباء ليست ملكاً للتيار، فلماذا الدخول في "البازارات"؟ نحن وضعنا تصوراً واقعياً تطبيقه سهل للنجاح وليس هدفنا نسف الخطة مطلقا كما يروج البعض بل وضعنا ملاحظاتنا كفريق سياسي لنجاح التنفيذ.
واشار الوزير حاصباني الى توافق حول نقاط اساسية مع الحزب التقدمي الاشتراكي لجهة تشكيل الهيئة الناظمة للكهرباء ومجلس ادارة مؤسسة كهرباء لبنان واجراء المناقصات، وكذلك متوافقون مع اغلبية القوى السياسية وتحديداً مع الرئيس بري وحزب الله والمردة والعديد من القوى السياسية التي تتفق معنا حول النقاط المتعلقة بالخطة.
فما هي ملاحظات حزب القوات على الخطة؟
"القوات" ترد انها ليست ضد الخطة، بل ان المطلوب ليس كلاماً عاماً، جميلاً، بل لا بدّ من عمل تنفيذي دؤوب وتطالب "القوات" بوقف الهدر، قبل زيادة الإنتاج، والذهاب إلى خيارات دائمة، وليس انتقالية، والمرور بإدارة المناقصات، وتشكيل مجلس إدارة جديد لمؤسسة الكهرباء، وهيئة ناظمة.
وفي تقدير مصادر وزارية انه إذا نجحت لجنة الكهرباء اليوم في انتزاع موافقة مبدئية على الخطة، فمن المرجح ان تكون البند الأوّل في مجلس الوزراء الذي سيعقد الخميس المقبل، الا انه ليس واضحاً بعد ما إذا كانت الجلسة ستناقش أيضاً مشروع الموازنة للعام 2019، مثلما تطالب الكتل النيابية.
التعيينات الادارية
وسيشهد الاسبوع الطالع، وفي جلسة مجلس الوزراء المتوقعة يوم الخميس المقبل، سلسلة تعيينات أبرزها تعيين أو اعادة تعيين نواب حاكم مصرف لبنان الذين انتهت ولايتهم وسط رغبة البعض في تغييرهم وتمسك آخرين بهم ما يجعل التغيير عملية معقدة.
ورأت مصادر سياسية لـ"الشرق الأوسط" أن مجرد الإبقاء على واحد منهم لولاية جديدة سيدفع برئيس المجلس النيابي نبيه بري إلى التمسك بالتمديد للحالي رائد شرف الدين. وقالت إن الحريري يميل إلى التمديد لمحمد بعاصيري، وإن هذا ما يتيح لبري الإبقاء على شرف الدين وإن كان يمانع في حال حصول توافق على تعيين 4 جدد، بتعيين الخبير الاقتصادي غازي وزنة.
ورجّحت المصادر أن يبادر رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط إلى تبنّي ترشّح فادي فليحان خلفاً للحالي سعد العنداري مع أن النائب طلال أرسلان يدعم ترشيح النائب السابق لحاكم "مصرف لبنان" مجيد جنبلاط. وتوقعت عدم حدوث مشكلة في تعيين نواب لحاكمية "مصرف لبنان"، في حال عدل رئيس "التيار الوطني الحر" وزير الخارجية جبران باسيل عن مطالبته بتعيين أرمني كاثوليكي بدلاً من الأرمني الأرثوذكسي هاروت صموئليان المنتهية ولايته والذي يصر حزب "الطاشناق" على التمديد له.
وقالت إن باسيل سيضطر إلى التراجع عن طلبه لأنه ليس في وارد الدخول في مشكلة مع حليفه "الطاشناق"، ورأت أن تعيين مفوض جديد للحكومة لدى "مصرف لبنان" قد يكون من حصة "التيار الوطني". واستغربت ما أشيع أخيراً عن أن باسيل يربط تعيين نواب لحاكمية "مصرف لبنان"، بالتعيينات والتشكيلات المرتقبة التي ستصدر عن وزير المالية علي حسن خليل الذي يعود له أن يرفع لائحة بأسماء المرشحين لنواب الحاكمية إلى مجلس الوزراء.
وبالنسبة إلى إعادة تشكيل المجلس الدستوري، رأت مصادر وزارية أن هناك ضرورة لإنهاء خدمات المجلس الحالي الممدد له منذ نحو سنتين ونصف السنة، وقالت إن أعضاء المجلس العشرة يتوزّع تعيينهم مناصفة بين مجلس الوزراء والبرلمان الذي ينتخب خمسة منهم، على أن تعيّن الحكومة الخمسة الآخرين شرط مراعاة التوازن الطائفي.
وعزت المصادر الوزارية الإلحاح على تعيينهم قبل موعد إجراء الانتخابات النيابية الفرعية بطرابلس في 14 نيسان الحالي، إلى أن عدم تشكيل المجلس الدستوري قبل هذا الموعد، قد يفتح الباب أمام التمديد له في حال أن أحد المرشحين ممن لم يحالفهم الحظ للفوز بالمقعد النيابي الشاغر، قرر أن يتقدم منه بطعن بنيابة المرشحة أو المرشح الفائز.
وقالت إن مجرد حدوث الطعن سيضطر المجلس الدستوري إلى النظر فيه، وبالتالي لا يمكن تشكيل المجلس الجديد إلا بعد انتهائه من النظر في الطعن، وهذا ما حدث في الانتخابات النيابية العامة التي جرت في أيار الماضي، عندما اضطر المجلس إلى النظر في الطعون التي قُدّمت إليه، وهذا ما أدى إلى التمديد له لأن نظامه الداخلي يعطيه حق النظر في الطعون، ما دام المجلس البديل لم يشكل كشرط لإنهاء ولاية سلفه الممدد له.
وبالنسبة لتعيين المدّعي العام التمييزي خلفاً للحالي القاضي سمير حمود الذي يُحال إلى التقاعد في أيار المقبل، قالت المصادر الوزارية إن هناك فرصة أمام مجلس الوزراء لتعيين خلف له قبل انتهاء ولايته، ورجّحت تعيين أحد القاضيين نبيل وهبة وغسان عويدات.
الموازنة البند الأبرز
وعلى الرغم من أهمية الملفات السابقة تبقى الموازنة التحدي الاكبر للحكومة اذ لا يزال مشروعها قابعاً في أدراج الامانة العامة وينتظر تسوية سياسية واتفاقاً ينقله الى طاولة مجلس الوزراء. وتشكل الموازنة التحدي الكبير لخفض العجز المالي ولاعطاء صدقية للدولة اللبنانية أمام المجتمع الدولي وقبل البدء بتطبيق مقررات مؤتمر "سيدر".
الحريري عازم على العمل
وسط هذه الأجواء، باشر رئيس الحكومة إعداد تصور شامل لأبرز العناوين التي يُفترض أن تشكل "خريطة طريق" لعدد من المشكلات الاقتصادية التي لا تزال عالقة وباتت في حاجة إلى توفير الحلول، سعياً إلى تجنب تمديد إغراق البلد في مراوحة تُنذر باستمرار السجال السياسي والإعلامي، فيما حذر نائب رئيس البنك الدولي فريد بلحاج من عدم ارتقاء الحكومة إلى مستوى الإصلاحات المالية والإدارية المطلوبة منه للإفادة من مقررات مؤتمر "سيدر" لمساعدته على النهوض من أزماته الاقتصادية والمالية.
وعلمت "الشرق الأوسط" من مصادر وزارية أن الحريري أوشك على الانتهاء من تصوّره للخروج تدريجياً من الأزمات التي لا تزال تحاصره، على أن يُدرجه في سلة متكاملة بدلاً من التعاطي مع الملفات منفردة. وكشفت المصادر الوزارية عن أن رئيس الحكومة "أخذ على عاتقه التعاطي بمسؤولية مع الإنذار الذي أطلقه بلحاج والذي يعكس واقع الحال في البلد". وأشارت إلى أن "توجهه لإدراج جميع المشكلات الملحّة في سلة واحدة يشمل الإصلاحات الإدارية والمالية والبرنامج الاستثماري لمؤتمر "سيدر" في مرحلته الأولى ومشروع قانون الموازنة العامة الحالي وخطة الكهرباء التي تناقشها حالياً اللجنة الوزارية برئاسته".
ولفتت المصادر إلى أن البرنامج الاستثماري في مرحلته الأولى يشمل تنفيذ 150 مشروعاً، وأنه "لا مشكلة في تمويلها مع أن بعض الأطراف كان يراهن على أن الرئيس الحريري لن يتمكن من إقناع المؤتمرين في "سيدر" بتبنّي تمويل كل هذه المشاريع". ورأت أنه "على جميع الأطراف بلا استثناء المبادرة إلى التعاطي بمسؤولية لتنفيذ هذه الخريطة، شرط أن يأخذوها بالجملة بدلاً من المفرّق"، خصوصاً أن "الحريري قد كسب الرهان وأقنع المؤتمرين في "سيدر" بضرورة تقديم الدعم المالي لمساعدة لبنان على تنفيذ المشاريع التي تقدّم بها".
وأكدت أن الحريري "سيجري في الساعات المقبلة مشاورات مع جميع الأطراف المشاركة في الحكومة، تتعلق برؤيته للخروج على مراحل من الوضع المأزوم بعيداً عن المزايدات الشعبوية، خصوصاً أن تنفيذ المشاريع الواردة في البرنامج الاستثماري في مرحلته الأولى يحتاج إلى ما بين 4 و5 سنوات وبمراقبة دقيقة من مؤتمر "سيدر"".
الحريري وامام زواره لفت الى انه بدءاً من اليوم فإن ملفات الكهرباء والموازنة وكل ما له علاقة بالاصلاحات سنبدأ بالعمل عليها.
ورأى ان جميع الفرقاء السياسيين يتحملون مسؤولية حل المشكلات التي يُعاني منها البلد، ولا يمكن لفريق ان يعتقد انه باستطاعته تحميل الآخرين مسؤولية كل المشاكل في البلد، لأن هذه المشاكل متراكمة منذ زمن، مشيراً إلى ان "القرارات التي ستتخذ في ما يختص الموازنة والاصلاحات ستكون صعبة، وعلى الجميع ان يتشارك بمسؤولية اتخاذها، لا ان ينشغلوا بالمهاترات وتبادل الاتهامات التي لا توصل إلى نتيجة".
وفي موضوع الفساد، شدّد الحريري على انه لا يوجد حزب سياسي في لبنان الا وقد يكون في صفوفه بعض الفاسدين، وقال: "لنبدأ من تيّار "المستقبل" فإذا كان فيه فاسدون فليلاحقوا امام القضاء، فهو الأساس لكي نضع حداً "للفساد"، مشيراً إلى ان الاستمرار في الجدل البيزنطي وبالانشغال بالمؤتمرات الصحفية لرشق الآخرين بتهم الفساد لن يؤدي إلى محاربة الفساد بل إلى حماية الفاسدين والضالعين فيه."