تحت عنوان جهات أوروبيّة تنصح الحكومة بإنشاء "هيئة وطنيّة" لمكافحة الفساد، كتبت دوللي بشعلاني في "الديار": الجميع يريد مكافحة الفساد في لبنان إلاّ أنّ أي طرف سياسي لا يعتبر نفسه فاسداً أو مشاركاً في هدر أموال الدولة، إنّما يرى الفساد بعيداً عنه وهو شخصياً بريء من هذه التهمة. غير أنّ الإدارة اللبنانية في مختلف المؤسسات والوزارات تُعاني فساداً، أو هدراً كبيراً لا يوازي المردود المالي الذي يُراد منه سدّ العجز االذي تُعاني منه البلاد.
وإذا استمرّ الوضع الإقتصادي والمالي على ما هو عليه، من دون أي إصلاحات جذرية مطلوبة، فإنّ لبنان سيفوّت عليه أموال "سيدر" لدعمه إقتصادياً على مدى السنوات المقبلة. وتقول مصادر سياسية عليمة إن على "كلّ حزب أو كتلة نيابية لديها وزراء في الحكومة أن تبدأ بنفسها في وقف الهدر الحاصل في وزاراتها، إذ من شأن مثل هذا الإجراء الحيوي وغير المكلف تقليص مصاريف ميزانية الدولة بنسبة كبيرة".
ورأت المصادر أنّ مهمّة إقفال المعابر غير الشرعية التي سبق وأن بدأها الجيش اللبناني في شباط المنصرم على الحدود اللبنانية- السورية في حوش السيّد والقصر ضمن قضاء الهرمل، من خلال إغلاق أربعة معابر، وذلك منعاً لعمليات التهريب، خصوصاً للسيارات المسروقة، والحدّ من الدخول غير الشرعي من والى الأراضي اللبنانية، يجب أن تُستكمل لتشمل جميع الخطوط. علماً أنّ عمليات التهريب على الحدود تُخسّر الدولة، بحسب المعلومات، نحو 600 مليون دولار من الرسوم الجمركية المهرّبة عبر هذه المعابر، منها 150 مليون دولار من الدخان.
ويقول بعض العارفين إنّ التحرّكات الأمنية والسياسية في البقاع الشمالي والهرمل، قد حدّت من عمليات التهريب بشكل ملحوظ، غير أنّ المطلوب من الحكومة أن تتخذ قراراً حاسماً وجذرياً يقضي بإقفال جميع المعابر الحدودية التي تشهد عمليات التهريب، سيما أنّ عدداً كبيراً منها لا يزال من دون رقابة كونه يخضع للعائلات والعشائر التي تحكم البلدات اللبنانية الحدودية، ولا سلطة للدولة عليها.
ونقلت المصادر عن جهات أوروبية بارزة أنّه من أجل التوصّل الى إطار عملي لا يُبقي عنوان "مكافحة الفساد" فزّاعة يستخدمها أي حزب سياسي في البلاد في وجه حزب آخر أو مسؤول سياسي خصم له، فيتهمه بالفساد وبهدر أموال الدولة، أن يُصار الى إنشاء "هيئة وطنية لمكافحة الفساد" في الدولة.
وأوضحت أنّه على هذه الهيئة أن تكون ذات سلطة إدارية مستقلّة توضع بعهدة رئيس الجمهورية، ما دامت الأطراف مجتمعة في البلاد قد أوصلته الى الحكم، بعد شغور رئاسي دام لسنتين وخمسة أشهر، كونها مؤمنة بنزاهته وبأن عهده سيكون قويّاً. وعلى أن تتمتّع بالتالي بالإستقلالية الإدارية والمالية، على غرار ما يحصل في دولٍ عدّة... فبعد فشل الحكومة الأولى للعهد باستحداث وزارة الدولة لشؤون مكافحة الفساد، إذ لم تستطع الكشف عن أي عملية فساد تجري في لبنان، ولا عن أسماء مرتكبيها والمتورّطين فيها، بات من الضروري أن تُوافق المكوّنات السياسية جميعها، على إنشاء هذه الهيئة التي يضمن استقلاليتها أداء قسم اليمين من قبل أعضائها، فضلاً عن تأمين الحماية لهم من شتّى أنواع الضغوطات والتهديد والترهيب والتهجّم وما الى ذلك، التي قد يتعرّضون لها خلال تأدية مهامهم.
وعن استحالة إنشاء مثل هذه الهيئة المستقلّة، في ظلّ هيمنة الأحزاب السياسية على كلّ قطاعات الدولة ومرافقها، شدّدت المصادر نفسها على أنّ الأمر ليس مستحيلاً، على ما يعتقد البعض، لا سيما إذا ما نظرنا الى المجلس الدستوري الذي أُنشىء بموجب القانون رقم 250 تاريخ 14/7/1993. فهذا الأخير هو هيئة دستورية مستقلّة ذات صفة قضائية، مهمّتها مراقبة دستورية القوانين وسائر النصوص التي لها قوّة القانون والبتّ في النزاعات والطعون الناشئة عن الإنتخابات الرئاسية والنيابية. والأهمّ أنّ "قرارات المجلس الدستوري مبرمة، ولا تقبل أي طريق من طرق المراجعة العادية وغير العادية"، على ما تنصّ عليه المادة 51 من النظام الداخلي له. كما «تتمتّع قراراته بقوّة القضيّة المحكوم بها، وهي ملزمة لجميع السلطات العامّة والمراجع القضائية والإدارية، وتُنشر في الجريدة الرسمية»، بحسب المادة 52 منه.
وعلى هذا الأساس، يمكن اعتبار المجلس الدستوري نموذجاً للهيئة المستقلّة لمكافحة الفساد التي يجب أن تُوافق الأحزاب اللبنانية على إنشائها لوقف الهدر الحاصل في البلاد بشكل جذري. على أن تتولّى هذه الهيئة مهمة وضع سياسة شاملة للوقاية من الفساد في مختلف القطاعات والوزارات، وتكرّس مبادىء الحقّ والقانون، وتعكس النزاهة والشفافية والمسؤولية في تسيير المرافق العامة والممتلكات الحكومية والأموال العمومية والمساهمة في تطبيقها. كما عليها رفع تقرير سنوي عن كلّ ما توصّلت اليه من معلومات تكشف مكامن الهدر والفساد، وتضع التوصيات التي يجب تنفيذها للقضاء على الثغر.
فالجميع متفق على أنّ مكافحة الفساد، تكون من خلال تطبيق القوانين في المؤسسات والمرافق العامّة وتفعيل أجهزة الرقابة ودور القضاء، وعدم تخطّي القوانين لصالح هذا الحزب أو ذاك المسؤول، على ما شدّدت المصادر نفسها، وليس بالخطابات الرنّانة والإتهامات المتبادلة التي لا تصل في نهاية الأمر الى كشف الحقائق. ولهذا، فإذا كان كلّ طرف يعتبر أن صفحته بيضاء ناصعة، فلن تلقى خطوة «إنشاء الهيئة الوطنية المستقلّة لمكافحة الفساد» أي اعتراض من قبل أي أحد. على أن يُصار الى تعيين أعضاء مستقلّين لها، من ذوي الإختصاصات والخبراء في مجال المحاماة، والإدارة والأعمال، والمحاسبة، وما الى ذلك.
وفي رأي المصادر، إنّ استمرار تفشّي الفساد، يجعل المسؤولين غير قادرين على تنفيذ مشروع بناء الدولة التي يطمحون اليها، ولا يستفيدون بالتالي من ثروات البلاد وقدراتها الإقتصادية. ولهذا فإنّ تحمّل المسؤولية من واجب الجميع، بدءاً من مواجهة الهدر ومكافحة الفساد كخطوتين أساسيتين في تصحيح المالية العامّة للدولة، وفي استعادة النمّو الإقتصادي، ثمّ تأمين فرص العمل للشباب اللبناني الذي يتعرّض اليوم للمنافسة من قبل النازحين السوريين، ما زاد نسبة البطالة في صفوفه الى 35 % بعد أن كانت لا تتعدّى الـ 12 % قبل النزوح السوري الى لبنان.