المحيّر في ملف النازحين السوريين أن جميع اللبنانيين من دون إستثناء مجمعون على ضروة عودتهم اليوم قبل الغد، لما لوجودهم على الأرض اللبنانية بهذه الكثافة الهائلة، التي تفوق قدرة لبنان على تحمّل ما له وما عليه، من تبعات وإنعكاسات إقتصادية وأمنية وإجتماعية وديموغرافية.
وعلى رغم هذا الإجماع لا يزال هذا الهمّ يغرف من صحن جميع اللبنانيين، الذين بدأوا يشعرون أنهم غرباء في بلدهم، نتيجة الفوضى العارمة، التي تحيط بهذا الملف المعقدّ، والآيل إلى التفاقم يومًا بعد يوم، من دون إيجاد حلّ له، ولو مؤقتًا، نظرًا إلى أن الحل الجذري غير متوافرة له ظروف وصوله إلى نهاياته المأمولة.
فإذا كان الحل النهائي لعودة النازحين غير متوافر نظرًا إلى تشعباته وإلى إرتباطاته بأجندات خارجية لا علاقة للبنانيين بها في أجزاء كثيرة منها، فعلى الأقل يجب تنظيم هذا "الوجود" المفترض به أن يكون مؤقتًا، إلاّ إذا كان المؤقت دائمًا، بما يتلاءم والأنظمة اللبنانية، بحيث لا يكون ثقل هذا الملف عبئًا ضاغطًا على اللبنانيين، الذين يزاحمهم على لقمة العيش نازحون يقبلون بأجر أقل مما يقبل به العامل اللبناني، وذلك لأسباب كثيرة، وقد يكون في مقدمها أن النازح السوري، الذي يتلقى مساعدات دولية، يرضى بالقليل، إذ أن زيادة الخير خيرٌ، فيما يدفع العامل اللبناني ضرائب لا تطال العامل السوري، فضلًا عن أسباب إجتماعية أخرى تجعل المزاحمة لغير صالح اللبنانيين.
من هنا الحاجة إلى تنظيم هذا الوجود بما تفرضه القوانين اللبنانية على كل عامل أجنبي من رسوم لا تطال النازح السوري، وهذا ما يجعله يقبل بالقليل مقارنة مع العامل اللبناني في مجالات واسعة النطاق، وبالأخص في مجالات تُحصر فيها الإفادة من الخبرات اللبنانية.
ما قاله الوزير جبران باسيل منذ يومين لا يختلف عليه إثنان، خصوصًا عندما قال إن "الحكومة متفقة على ضرورة عودة النازحين السوريين الى بلدهم ولكن عمليا لم نترجم هذا الاتفاق الى خطة تؤمن هذه العودة"، وتشديده على أن "العودة تتأمن فقط من خلال اعتماد سياسة حكومية واحدة وواضحة، عنوانها "عودة النازحين" وليس "معالجة موضوع النزوح".
وعلى رغم توافق اللبنانيين على العناوين العريضة لعودة النازحين فإن ثمة إختلافًا جذريًا حول العناوين السياسية المتعلقة بهذه العودة، والتي يرى البعض أنه لا بدّ من التنسيق مع السلطات السورية لتأمين ظروف هذه العودة، فيما يصرّ البعض الآخر على إبعاد شروط العودة عن العناوين السياسية المتعلقة بـ"تطبيع" العلاقة مع النظام السوري، وعدم إستباق الإجماع العربي على عودة سوريا إلى حضن جامعة الدول العربية، التي يبدو أن ظروفها لم تنضج بعد في إنتظار التسوية السياسية في المنطقة.
وفي إنتظار كل ذلك يبقى اللبنانيون، كما في ملفات كثيرة، كلٌ يغني على ليلاه.