تدخل الحكومة الأسابيع الحاسمة في إنجاز بعض الملفات المهمة العالقة كملف الكهرباء، على ان يليها ملفات الموازنة والتعيينات الإدارية وملف النفايات، وغيرها من الملفات التي يدور حولها خلاف سياسي أكثر مما هو تقني أو فني، ومن هنا فان الأسبوع الطالع الذي يبدأ اليوم، قد يكون أيضاً أسبوع الامتحان، بحسب المصادر الوزارية التي تنتظر تصاعد الدخان الأبيض من مجلس الوزراء ايذاناً بإقرار خطة الكهرباء التي تكلف الخزينة ملياري دولار سنوياً، إذا تمّ حسم الموضوعين العالقين: مرجعية المناقصات لاستدراج عروض الشركات التي ستتولى توفير الطاقة المؤقتة والدائمة، وتعيين الهيئة الناظمة للطاقة مع رئيس وأعضاء مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان، وهما البندان اللذان تمّ ترحيل الخلاف حولهما إلى مجلس الوزراء، من دون ان تتمكن اللجنة الوزارية التي كلفت درس الخطة من حسم الخلاف في شأنها.
وبهذا الاطار، تشير المعطيات، بحسب "النهار"، الى ان جلسة حاسمة سيعقدها مجلس الوزراء في الثالثة بعد ظهر اليوم في قصر بعبدا لاقرار الخطة المحدثة الجديدة والمعدلة في سلسلة الخطط الكهربائية التي تعاقبت منذ عام 2010 و"زف" بشارتها الى الرأي العام الداخلي والخارجي باعتبارها الخطوة الجذرية الاولى على طريق خطوات لاحقة متعاقبة لانقاذ الوضع الاقتصادي والخدماتي والمالي من التعثر الكبير والشروع في رحلة استعادة الثقة بامكان التزام الحكومة تعهداتها في البيان الوزاري وتنفيذ مقررات مؤتمر "سيدر".
التعويل على الرئيس الحريري
في هذا الوقت، يبدو ان ثمة رهاناً اساسياً لدى معظم الافرقاء الحكوميين على ان يقدم رئيس الوزراء سعد الحريري اقتراحاً توفيقياً يحول دون المضي في استهلاك الوقت ومنع حصول مواجهة متجددة بين "التيار الوطني الحر" من جهة و"القوات اللبنانية " مدعومة من معظم الافرقاء الآخرين بما فيهم الثنائي الشيعي حول مرجعية التلزيمات والمناقصات وموضوع الهيئة الناظمة.
وكشفت المصادر لـ"اللواء" عن اقتراح قد يطرحه الرئيس الحريري، لكي يكون بمثابة حل توافقي وسطي لمسألة مرجعية إدارة المناقصات، يرتكز على تشكيل لجنة مشتركة تضم عضواً من دائرة المناقصات وعضواً ممثلاً عن البنك الدولي لضمان شفافية المناقصات وسرعة درسها وبتها، تجنباً لاهدار الوقت تحت وطأة البيروقراطية الرسمية المتبعة في دوائر الدولة.
واذ علم ان الرئيس ميشال عون اتفق والرئيس الحريري على إقرار خطة الكهرباء اليوم، أجريت اتصالات في الايام الاخيرة بدفع قوي من الرئيس الحريري وفي كل الاتجاهات للاتفاق على مخرج توافقي للنقطتين:
أولاً- بإسناد إجراء المناقصة إلى اللجنة الوزارية من أجل الإسراع في التلزيم كما تنص الخطة، أو بحصر التلزيم بهيئة إدارة المناقصات، أو بإسناد المهمة إلى اللجنة الوزارية بمشاركة إدارة المناقصات وحتى بحضور خبراء البنك الدولي.
ثانياً - تعيين الهيئة الناظمة للقطاع إضافة إلى أعضاء مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان المنتهية ولايتهم. وهذه النقطة قد يقترح لها رئيس الجمهورية حلاًّ مؤجلاً بتعهّد مجلس الوزراء العمل على إجراء هذه التعيينات بالتوازي مع تطبيق الخطة توخياً للسرعة ومنعاً لتأخير التطبيق بعِقد تقنية.
وفي هذا الاطار، لوحظ وجود انقسام حول تعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، بين فريقين: فريق يستعجل التعيين للاشراف على عمليات تنفيذ الخطة، وهو يمثل معظم أطراف الحكومة، وفريق يمثله "التيار الوطني الحر" يرى التريث لحين تعديل قانون إنشاء الهيئة الصادر في العام 2002 تحت رقم 426، فقد أوضحت المصادر ذاتها، ان الرئيس الحريري يسعى أيضاً إلى التوفيق بين الرأيين، رأي الفريق الداعي الى إقرار الخطة وتجاوز التعيين حالياً لحين تعديل القانون لاحقاً في مجلس النواب، وهو ما تقترحه وزيرة الطاقة ندى البستاني ورأي الفريق المُصر على التعيين لينتظم العمل، وهو ما ستظهر نتائجه في جلسة اليوم.
عون: خطة الكهرباء ستقر اليوم ولو بالتصويت
وقد أكد أمس مقربون من الرئيس عون لـ"النهار" أن الجلسة لن تنتهي إلا بإقرار الخطة حتى لو اضطر إلى طرحها أو طرح النقاط المختلف عليها على التصويت. وهذا الخيار الدستوري الذي نادراً ما طبِّق في حكومة الوحدة الوطنية في عهد الرئيس عون، قد يشكل في رأي المقربين منه المخرج الحاسم لمأزق المراوحة السلبية في معالجة أزمة الكهرباء المزمنة. ويقولون ان الرئيس عون سيلجأ إليه انطلاقاً من تبنّيه لخطة كان يتوقع إقرارها ومباشرة تطبيقها منذ مطلع العهد، ومنذ أن وضعها وزير الطاقة السابق سيزار أبي خليل، وهي التي طوّرتها وزيرة الطاقة الحالية ندى البستاني والتي تناقش اليوم في ظل ضغط أكبر لم يعد يسمح بمماطلة أو تأجيل. ومع ان الاجتماعات الخمسة على مستوى اللجنة الوزارية برئاسة الرئيس الحريري أزالت الكثير من الخلافات حول عناوين خطة البستاني، فإن حلّ النقطتين العالقتين المتبقيتين لا يبدو مسألة سهلة، خصوصاً أن حلفاء "التيار الوطني الحر" يقفون صفاً واحداً مع خصومهم في مواجهة ما هو مطروح بالنسبة الى تعيين الهيئة الناظمة كما بإعادة الدور الى دائرة المناقصات.
وبحسب المعلومات لصحيفة "اللواء"، فإن التصويت إذا حصل اليوم في الجلسة، سيكون على إقرار الخطة ككل، وليس على النقطتين المختلف عليهما، أي المناقصات والهيئة الناظمة، وفي هذه الحالة، فإن أغلبية الأصوات ستذهب لمصلحة الخطة الكاملة، بما فيها أصوات وزراء "امل" و"حزب الله"، على الرغم من انهم يفضلون ان تجري التلزيمات في دائرة المناقصات، في حين انه لو تمّ التصويت على مسألة المناقصات فقط فإن وزراء "القوات اللبنانية" و"الحزب التقدمي الاشتراكي" ومعهم وزراء "امل" و"حزب الله" و"تيار المردة" الذين سيكون مجموعهم 12 وزيراً سيشكلون نوعاً من الثلث المعطل للقرار، علماً ان نائب رئيس الحكومة غسّان حاصباني سيغيب عن الجلسة لارتباطه بالسفر إلى واشنطن.
وفي سياق متصل، لفتت صحيفة "الأخبار" الى ان الرئيس الحريري يسعى إلى تفادي التصويت، خاصة أن فوز أي خيار بأصوات النصف زائد واحد من عدد الوزراء لن يكون، في السياسة، حلاً، بل سيؤدي إلى مزيد من التعقيد، علماً بأن النصف زائداً واحداً يمكن تأمينه باتفاق وزراء كتلتي المستقبل ولبنان القوي، اللتين تسعيان إلى كفّ يد إدارة المناقصات عن ملف الكهرباء، ما يعني بالتالي التغاضي عن رأي كل الكتل الباقية التي تؤيد تولّي إدارة المناقصات للمهمة.
حاصباني: العبرة في التنفيذ
وقال نائب رئيس الحكومة غسان حاصباني لـ "اللواء" ان العبرة في خطة الكهرباء هو التنفيذ، لأنه كان امامنا خطة في العام 2010 وأخرى في العام ٢٠١٧ وتم اقرارها بالإجماع ولم تطبق. ما عملنا عليه في ملاحظاتنا واقتراحاتنا بالتعديلات كان هدفه تخفيف العقبات أمام التطبيق.
وردا على سؤال عن امكانية قيام اي اشكال اليوم اوضح ان ذلك يعود الى النقاش في مجلس الوزراء .
وأكّد حاصباني انه لا يجوز ان تمر مشاريع كبيرة كتلك المتعلقة بخطة الكهرباء، من دون المرور بهيئة إدارة المناقصات خاصة وان الجميع يقول بأنه يعمل على بناء دولة المؤسسات، مشيرا إلى ان اللجنة الوزارية ستكون إلى جانب هيئة المناقصات من أجل تسريع العمل والبت ببعض الملفات المتعلقة بالمناقصات من خلال الوزارات المعنية، خاصة وان الهيئة ليست هي من يتولى الشأن التقني في دفاتر الشروط بل تستعين بخبراء من وزارة الطاقة ومؤسسة الكهرباء لضمان التزام المتعهد بكل الشروط التقنية وغير التقنية.
وأكّد حاصباني على ضرورة ان يلتزم المطالبون باحالة الملف إلى إدارة المناقصات بموقفهم، لا ان يتم التهرب منه في جلسة اليوم وتحويل الملف إلى لجنة وزارية لتضييع الأمور، مستبعداً في الوقت ذاته وصول الموضوع إلى التصويت في مجلس الوزراء.
بطيش: ذاهبون بايجابية
وزير الاقتصاد والتجارة منصور بطيش اكد، من جهته، لـ"اللواء" اننا ذاهبون بجو ايجابي لاقرار خطة الكهرباء وان عدم توافر الاجماع يعني اللجوء الى التصويت الذي يعد خيارا دستوريا عند انتفاء التوافق مشيرا الى ان اقرار هذه الخطة خطوة في الاصلاح المالي وان المدخل لهذا الاصلاح بالتالي يكمن في هذا الملف الذي قد يؤدي الى انخفاض في عجز الموازنة في ثلاث او اربع سنوات. وقال ان كل من يؤخر هذا الملف عليه ان يتحمل المسؤولية.
BOT في إدارة المناقصات
وبحسب التوصية المرفوعة من اللجنة الوزارية إلى مجلس الوزراء، فإن مسألة المناقصة تركت مفتوحة على خيارين:
أ- يُطبق قانون المحاسبة العمومية على تلزيم مشاريع بناء معامل تعتمد التمويل والانتاج والتشغيل والتسليم إلى الدولة بعد فترة زمنية تحدد في دفتر شروط خاص تعده وزارة الطاقة.
يستثنى من أحكام قانون المحاسبة العمومية كل ما لا يتفق مع طبيعة التلزيم والعقد وفق الطريقة المذكورة سابقاً.
يعود لمجلس الوزراء بتّ أي التباس ينشأ بين الوزارة وإدارة المناقصات.
ب- اتخاذ القرار بإجراء المناقصات إما عبر إدارة المناقصات بعد تعديل القانون 288 (إعطاء صلاحية الترخيص إلى مجلس الوزراء بدلاً من الهيئة الناظمة للقطاع) لجهة قانون المحاسبة العمومية، بما يتعارض مع البناء والتمويل والتشغيل وتحويل الملكية إلى الدولة، أو عبر اللجنة الوزارية، بعد تمديد القانون الرقم 288، مع الاستعانة بمن تراه وزارة الطاقة والمياه مناسباً من إدارات أو خبراء ومستشارين.
وبحسب صحيفة "الأخبار" يبدو أن صيغة تولي اللجنة الوزارية للمناقصة هي صيغة هشة ولا يمكن الدفاع عنها، ربطاً بعدم قدرتها على القيام بالإجراءات الإدارية للصفقة، ولأن مهمة مجلس الوزراء، بحسب المادة 65 من الدستور، هي اتخاذ القرارات لتطبيق القوانين والإشراف على أعمال كل أجهزة الدولة، لا الحلول محلها، فإنه يُتوقع أن تبقى إدارة المناقصات وحيدة في الميدان، علماً بأن صيغة التوصية تؤكد التوجه للحفاظ على دور إدارة المناقصات من ناحية، لكنها من ناحية أخرى تسعى إلى قضم صلاحياتها أو على الأقل مشاركة وزارة الطاقة ومجلس الوزراء فيها، بما يحوّل إدارة المناقصات إلى ساعي بريد، لا إلى منفّذ للمناقصة. فالصيغة "الملتبسة" تسمح بالتوسّع بتفسيرها لتشمل أي "خلاف" مع إدارة المناقصات قد ينتج عن ملاحظاتها على دفتر الشروط أو على طلب اعتماد إجراءات غير قانونية أو تجاوز بعض الشروط القانونية.
بحسب التوصية، فإن التعديل جاء ليعطي إدارة المناقصات الحق في إجراء مناقصات BOT والذي لا يتناوله قانون المحاسبة العمومية. لكن في المقابل، فإن رأياً آخر في اللجنة يعتبر أن إدارة المناقصات يمكنها إجراء مناقصات BOT من دون الحاجة إلى تعديل قانون المحاسبة العمومية، انطلاقاً من أن القواعد الإجرائية للمناقصات تطبّق على أي صفقة مهما كانت طبيعتها ومهما كان منفذّها. الداعون إلى التعديل ينطلقون من أن قانون المحاسبة العمومية فرض وجود اعتماد للصفقة قبل عقدها، وكذلك فرض الاحتفاظ بمبلغ تأمين يصل إلى 10 في المئة من قيمة الصفقة. وعليه، وجب استثناء عقود الـBOT من هذين الشرطين. لكن بحسب وزير في اللجنة لـ"الأخبار"، فإن الشرطين يجب توافرهما متى كانت الدولة هي من سيموّل المشروع، أو إذا كان مبلغ التأمين سيسهم في تعزيز المنافسة أو ضمان جدية العارضين. ولهذا، لم يحدد القانون نسبة ثابتة للتأمين، بل ترك تقديرها لإدارة المناقصات، على أن لا تتعدى 10 في المئة، أي إن هذا المبلغ يرتبط بطبيعية الصفقة ولا قاعدة واحدة له. وهذا الأمر سبق أن شكّل جزءاً من ملاحظات إدارة المناقصات على مناقصة البواخر، حين اعتبرت أن مبلغ التأمين المقدّر حينها بخمسين مليون دولار هو مبلغ ضخم يحدّ من المنافسة. باختصار، يقول المصدر إن تطبيق قانون المحاسبة إلزاميّ إذا كان تمويل المشروع من الموازنة العامة واعتماداته متوافرة فيها أو من أي مصدر آخر. وبالتالي، لا مبرر لإجراء المناقصات خلافاً لقانون المحاسبة العمومية أو خارج إدارة المناقصات. لكنه يذهب أبعد من ذلك، مشيراً إلى أنه يمكن اختصار الطريق واللجوء إلى الجهة المعنية، أي ديوان المحاسبة، لاستشارته في قانونية إجراء إدارة المناقصات لصفقات على أساس BOT.
وإذ يرى أكثر من طرف أن كل ما يطرح إنما يصب في خانة رغبة وزارة الطاقة في كف يد "المناقصات" عن صفقاتها، معتمدة على حجة الوقت والبيروقراطية التي تحكم عمل إدارة المناقصات، فقد أسقطت هذه الحجة بعدما تبين أنه إذا كان دفتر الشروط مراعياً للقانون، يمكن إنجاز المناقصة خلال ثلاثة إلى أربعة أشهر. وهو الوقت نفسه الذي تحتاج إليه أي مناقصة فعلية حتى لو أنجزت في اللجنة الوزارية.