تقوم جهات سياسية معنية باستطلاع طبيعة المرحلة المقبلة وما تفرضه من تحديات على موقع التيار الوطني الحر؛ هذا الموقع الذي يختلف عن كل المواقع السياسية الأخرى التي حددت اصطفافاتها بوضوح، بعيداً عن أي التباسات، فهي قادرة على تحديد التعاطي مع تحالفاتها وخصوماتها بطريقة مختلفة عما يواجهه تكتل "لبنان القوي".
لا ريب أن "التيار الوطني" هو شريك "تيار المستقبل" في التسوية الرئاسية وما استتبعته من تفاهمات جزئية تجاه الملفات اللبنانية، وهو شريك شبه استراتيجي مع "حزب الله" وهو على تفاهم مع حزب "القوات" من خلال ورقة معراب التي رغم ما لحق بها من توترات متلاحقة إلا أنها لا تزال حية على المستوى الرسمي بين الطرفين.
أما على المستوى الخارجي، فقد حدد التيار الوطني الحر علاقة مستقرة مع سوريا ابتعدت عن إثارة أي تناقضات مع النظام السوري، وسعت عند كل فرصة سانحة لاعادة ترميم العلاقات اللبنانية - السورية ودفعها باتجاه التطبيع فضلاً عن أنه يحرص على إبقاء العلاقات اللبنانية الأميركية في سياق إيجابي لا تعكره المواقف الأميركية المتشددة ولا تهدد رزمة المساعدات التي اعتادت واشنطن تقديمها للبنان لاسيما للجيش والقوى الأمنية، فضلاً عن أنه يريد علاقات مستقرة مع النظام الرسمي العربي الذي تمثل السعودية بيضة القبان فيه.
وسط ما تقدم، فإن المرحلة المقبلة التي يجمع المراقبون على طبيعتها التصعيدية واشتداد حمى التعقيدات السياسية فيها، ستضع "لبنان القوي" مجدداً في موقع أشد حراجة من السابق في ظل التطورات والاحداث .
والسؤال الذي يطرح نفسه، كيف سيدير التيار العوني الذي يمسك بالرئاسة من خلال الرئيس العماد ميشال عون ولديه أكبر عدد من الوزراء والنواب، شبكة العلاقات المتناقضة هذه؟ فهل سيضطر الى حسم خياراته والى مزيد من الوضوح في تحالفاته؟ أم أنه سيبقى قادراً على الإمساك بلعبة التوازنات المعقدة التي أدارها خلال السنوات الماضية؟
بالأمس تحدث الرئيس عون عن سوريا قلب العروبة النابض، سائلا: "ماذا فعلنا بهذا القلب"؟ وقال: "إذا كنت ضد نظام الحكم لا يجب أن تقتل الشعب والشعب السوري هو الضحية".
ويبدو الأكثر ترجيحاً أن "الرئيس عون والوزير جبران باسيل سيذهبان باتجاه العمل على اعادة احياء التعاون مع سوريا والامر لا يقتصر فقط على الحاجة لتنظيم العبور الآمن عبر ممر نصيب الحدودي إنما أيضا التفاهم مع السوريين على حقل نفطي (بلوك رقم 2) الذي أضيف في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة الى مجموع الحقول النفطية التي لزمت سابقا ويبدو أن اختيار هذا الحقل لا يقتصر على وظيفته الاقتصادية انما لديه وظيفة سياسية سيستخدمها البرتقاليون لتطوير علاقات لبنان مع سوريا. هذا فضلاً عن ملف النزوح السوري الذي يساوي بأهميته وفق "الرؤية المسيحية" الملف الاقتصادي، ويستوجب حله العبور إلى الدولة السورية. وبالتالي فإن رئيس الجمهورية بالإستناد الى تصريحاته وكلماته من على المنابر الدولية سيتعاطى مع هذا الملف من زاوية الإسراع في إنجاز عودة النازحين حتى لو استدعى الأمر غضباً أميركياً وانزعاجاً اوروبياً.
وسط هذا المشهد، يأتي التساؤل عن الموقفين الأميركي والسعودي في هذا الاتجاه. وبحسب المعلومات فإن ما يراهن عليه لبنانياً هو إيكال أمر المملكة إلى الرئيس سعد الحريري.
أما على خط واشنطن فهناك تقديران متناقضان يسودان الاوساط السياسية: التقدير الأول يظن أن الرئيس دونالد ترامب وفريقه سيعتمدان سياسة تصعيد تجاه حزب الله لا تأخذ بعين الاعتبار تقديرات البيت الابيض التقليدية الحريصة على الاستقرار في لبنان، وقد تطال بعض المؤسسات لا سيما أن واشنطن بدأت تجاهر بأن لبنان الرسمي يزعجها، كل ذلك بمعزل عن اتجاه اميركي الى تصنيف الحرس الثوري الايراني منظمة ارهابية، الامر الذي سينعكس على لبنان، فالعقوبات على ايران ترى فيها ادارة ترامب مصدراً جديداً للضغط على حزب الله، هذا فضلا عن أن الموفدين الاميركيين كانوا قد أبلغو المعنيين في الداخل أن الامور لن تكون على ما يرام إذا بقي الاحتضان الرسمي لحزب الله، وشددوا على أن واشنطن لا تشجع الانفتاح والتنسيق مع النظام السوري.
أما التقدير الثاني فيعتبر أن ضغوطات الإدارة الاميركية مهما بلغت شدتها ستبقى محكومة بسياستها المتبعة تجاه لبنان والتي ترى في الاستقرار اللبناني مصلحة أميركية كبرى.
وعليه، فان الثابت الوحيد أن الواقع الراهن ينذر بالاسوأ، لا سيما ان المكونات السياسية لا تملك أي إجراءات استيعابية لما قد تقدم عليه واشنطن في سياق سياستها التشددية غير المسبوقة تجاه لبنان الذي يرزح أصلاً تحت أزمة اقتصادية خانقة.