ضجّ الرأي العام اللبناني خلال اليومَيْن الماضيَيْن بقضية كانت نجمتها محامية محجّبة كانت تحلم بالإنضمام إلى السلك القضائي إلا أنّها رُفضت بسبب ما قيل إنّ "العرف" يمنعها من ذلك، ذنبها الوحيد أنّها "محجّبة" وهو ما لا يمكن كيله لا بميزان العقل والمنطق ولا بميزان الدستور والقوانين، التي من المفترض أن ترعى مساواة المواطنين بحقوقهم وواجباتهم على اختلاف انتماءاتهم الطائفية أو المذهبية.
وفي هذا الإطار، نفّذ طلابُ عددٍ من كليات الحقوق في لبنان وناشطون حقوقيُّون تجمّعاً ظهر اليوم الأربعاء أمام مبنى وزارة العدل في بيروت تحت شعار "حجابي مش ضدّ العدالة"، وذلك للمطالبة بـ"إعطاء الحقّ للمرأة المحجّبة بالدخول إلى سلك القضاء وتحقيق المساواة بين المواطنين والمواطنات التي نص عليها الدستور اللبناني".
وكانت إحدى المحاميات المحجّبات وتدعى "أماني محمّد سعدي عالجي" قد كشفت عن أنّ "عُرفاً داخلياً" حَرَمَها كمحجّبة من الدخول إلى معهد الدّروس القضائية.
وأشارت عالجي إلى أنّ اللجنة التي قابلتها للإمتحان الشفهي كانت مكوّنة من 3 قضاة، الأوّل مسيحي والثاني سنّي، والثالث شيعي، وقد قال لها القاضي السنّي: "يلا خبّرينا شو قصّة هالحجاب"، فيما ظلّ القاضي الشيعي صامتاً، أما القاضي المسيحي فغادر القاعة.
فأجابت على السؤال بالقول: "يتوجّب أن تكون حضرتك على علم بأمره أكثر مني..."، فردّ عليها قائلاً: "لا يمكنك الدخول وأنت محجّبة"، مضيفاً: "نحن لدينا عرف داخلي، قوليلي هلق بتشلحيه؟"، فأجابته بالقول: "لا، إنّ الدستور يتقدّم على الأعراف"، ما كان من القاضي إلا أن نصحها بالبحث عن عمل آخر.
ولاقت هذه الحادثة تفاعلاً كبيراً عبر مواقع التواصل الاجتماعي حيث تعاطف النّاشطون من المحامية عالجي، معتبرين أنّ ما تعرّضت له هو تمييز ويخالف المبدأ الدستوري الذي ينصّ على أنّ "كلّ اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة بدون ما فرق بينهم".
من جهتها، أوضحت الأستاذة الجامعية المتخصّصة بالقانون الدولي وحقوق الإنسان حليمة قعقور في حديثٍ لـ"LBCI" أنّ "تجمّع اليوم هو تحرّك طلابي بامتياز من عدد من كليات الحقوق وبدعم من بعض الأساتذة أيضاً"، معتبرة أنّ هذا "المطلب هو حقّ، والمرأة المحجّبة تتمتّع بكامل الحقّ للدخول إلى السلك القضائي، وأيّ تمييز تتعرّض له على أساس المعتقد هو مرفوض من المعاهدات الدّولية".
ورفضت قعقور أن يُدار القضاء على أساس الأعراف، مؤكّدة أنّ "النصّ الدستوري والمعاهدات الدولية والحقّ أقوى من كلّ الأعراف"، مشيرة إلى أنّ تحرّك اليوم "هو لمنع قتل الطّموح لدى أي فتاة وطالبة مهما كان معتقدها أن تدخل إلى السلك القضائي".
وكانت أثيرت القضية نفسها في السلك الأمني في لبنان العام الماضي، لكنّ رئيس الحكومة سعد الحريري، أصدر وقتها تعميماً طلب فيه من جميع الإدارات العامة والمؤسسات العامة والبلديات واتحادات البلديات والأسلاك كافّة "الإلتزام بقبول جميع طلبات المواطنين ممّن تتوفّر فيهم الشروط الّتي ينصّ عليها القانون، بما فيهم المحجبات، وألا يكون هذا الحجاب عائقاً في توليهنّ الوظيفة العامة، تحت طائلة المسؤولية والمحاسبة"، وبذلك فتح الباب لدخول المحجبات إلى سلك قوى الأمن الداخلي والأمن العام.