لبنان

عن بشارة الأسمر و"حرية التعبير" و"النكات الذكورية"!

ربيكا سليمان

|
Lebanon 24
18-05-2019 | 15:35
A-
A+
Doc-P-588755-636937910183283387.jpg
Doc-P-588755-636937910183283387.jpg photos 0
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

 في الحدث الفاقع، رجلٌ في موقع المسؤولية يُطلق "نكتة سمجة" قبيل انعقاد مؤتمر صحافي، حيث الميكروفونات تغزو طاولته والكاميرات تطلّ من كلّ حدب وصوب. بشارة الأسمر، رئيس الاتحاد العمالي العام اللبناني، يتحدث عن بطريرك لم يكن عادياً وقد دُفن بالأمس فبكاه الوطن، فيقول كلاماً ساخراً مهيناً، يردده، في العادة، من يوصف بـ "أزعر الحيّ". "بعدين هلق البطرك ما عش الو دور… هيدا صار قديس! الليلة كل الليل انا صلي بركي بيطلعلي شعر (مشيراً إلى رأسه) (...)

 

في عصر التواصل الاجتماعي، لم يستغرق انتشار الفيديو الذي يوّثق كلام الأسمر، وهو في غفلة من ميكروفون مُشغّل، إلا دقائق. ثار الرأي العام، وانهال مستخدمو الانترنت بالضرب الافتراضي على رجل يُفترض أنه يمثل عمال لبنان ويصون حقوقهم. لم يكن البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير بطريركاً عادياً. إنه رجلٌ من وطن. من ذهب. ومن حرية. وعلى أرض الواقع، تحرّكت المقامات والمؤسسات والنقابات والأحزاب، واستدعي "المُرتكب" الى المباحث الجنائية، في خضمّ موجة جارفة من المطالبة باستقالته وإنزال أشدّ العقوبات بحقه.

 

لكن، وفيما كان الغضب يتأجج في نفوس المواطنين، ثمة من كان له رأي آخر في قضية الأسمر وإهانته البطريرك صفير: إدراج كلامه ضمن خانة حرية التعبير والرأي التي يناضل من أجلها كثيرون في لبنان، البلد الذي "يتنفس حرية". وجهة نظر لم يهضمها إلا القليل، فكيف لإهانة وشتيمة وقدح وتحقير أن يصبحوا حرية تعبير؟! أولا تنتهي حرية الفرد عندما تبدأ حرية الآخر؟!

 

قد يكون، في "وطن شارل مالك"، استحالة في تقديس حرية التعبير والرأي وتطبيقها بشكل يحاكي روحية حقوق الإنسان، للأسف. ثمة صحافيون يعتقلون عندما يكتبون الحقيقة في موضوع ما. ثمة أفلام ومسرحيات ومعارض فنية تشوّه بمقص الرقابة. ثمة ناشطون يزجّون في السجون لرفعهم شعارات لا تعجب المنظومة. ثمة أفراد يقاصصون لأنهم يتجرأون على الاعتراف بأنهم مختلفون. فهل يمكن، بعد كلّ ما يحصل، تخفيف ذنب الأسمر باعتبار كلامه حرية رأي وتعبير، علماً أنّ أصحاب هذا الموقف لم يؤيدوا مضمونه ولم يتوانوا عن المطالبة باستقالته من منصبه لكون الحرية أيضاً مسؤولية وأخلاق؟!

 

في الحقيقة، لا يزال العالم أجمعه "يعاني" بسبب عجزه عن استيعاب مفهوم حرية الرأي والتعبير وعن التمييز بينها وبين الإهانة وتجريح الإنسان وكرامته.



فالمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تنصّ على  أن" لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة"، وأنه "لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها". تستمر المادة بالقول أن ممارسة هذه الحقوق يستنبع "واجبات ومسؤوليات خاصة" وأنه "وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود" عند الضرورة "لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم" أو " لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة".

 

لحرية الرأي والتعبير إذاً حدود. في النصوص القانونية اللبنانية، يُعدّ القدح والذمّ والتحقير وإهانة المقامات الدينية والوطنية من الجرائم التي يعاقب عليها مرتكبوها. قوانين قد لا تُعجب البعض من مؤيدي الحرية المطلقة غير الخاضعة لأي قيود وحدود، لكنها قائمة، ويجدر احترامها طالما لم يصار إلى تعديلها.

 

هذا لا يعني طبعاً الاستسلام والتسليم بالأمر الواقع. نعود إلى قضية مقصات الرقابة وتكبيل الأيادي وفتح أبواب السجون المستشرية في لبنان. بالفعل، علينا جميعاً، مواجهة هذه الظاهرة. فلتكن الحرية مقدسة وغير استنسابية. فلتكن بناءة ومرتكزة إلى أخلاق وقيم. لكن، قبل كل ذلك، عليها أن تكون ثقافة وإيمانا راسخا.  مثلاً، لو كان بشارة الأسمر يؤمن بحرية الرأي والتعبير لوقف أمام الجميع وقال "إنها حريتي، فلتحترموها"، لكن الرجل علّق "عاره" على قميص "زلة اللسان"!



على أي حال، سواء اعتبر البعض أن كلام الأسمر جرماً أم أدرجه ضمن خانة حرية الرأي والتعبير، على النتيجة أن تكون واحدة: عليه ألا يبقى في موقعه، وألا يعود في المستقبل إلى موقع مسؤول آخر. انتهى الرجل في الحياة العامة، لأن العمل في الشأن العام يستوجب أخلاقاً وحكمة ورأساً رصيناً، لا أحلاماً برأس يغزوه الشعر!

 

الأهمّ، أنّ قضية الأسمر يجب أن تسلّط الضوء أيضاً على ما هو أبعد من حرية رأي وتعبير أو إهانات ونكات سمجة وزلات لسان. نحن، يا سادة، في مجتمع ذكوري حيث يتباهى ذكورٌ بنكات جنسية وينالون من نساء ورجال ومتحولين جنسياً وقديسين! هل من تنبه لهذا التفصيل؟!


تابع

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

 
إشترك
Author

ربيكا سليمان

Softimpact Softimpact web design and development company website
جميع الحقوق محفوظة © Lebanon24
جميع الحقوق محفوظة © Lebanon24
Softimpact Softimpact web design and development company website