سيشاهد اللبنانيون غداً طريقة جديدة في التعبير، مستوردة من الغرب. عدد من الرجال سيرتدون أحذية نسائية حمراء بكعب عالٍ تعبيراً منهم عن رفضهم العنف ضد المرأة. وبين رافضٍ للفكرة ومؤيدٍ لها تبقى عملية اختيار الكعب العالي كرمزٍ للمرأة مدار جدلٍ من حيث المشاركة في عملية فرض معايير المجتمع الاستهلاكي عليها، إنما قد تكون للفكرة أبعادٌ أعمق، مغايرة لما يظهر منها.
غداً سيسير الرجال على كورنيش ضبيه بأحذية حمراء ذات كعب عال. يُتوقع ان يبلغ عددهم 300 رجل تقريباً، سيرتدون الكعوب النسائية لمسافة ميلٍ واحد "تعبيراً عن رفضهم للعنف بشتى أشكاله وخاصّة العنف ضد المرأة"، في إطار التجربة الاجتماعية العالمية الأولى في الشرق الأوسط walk a mile in her shoes (سر ميلاً بحذائها)، الذي تنظمه شركة Uf Concepts دعماً لجمعية "كفى" في محاربة العنف ضد المرأة. وصل الحدث الى بيروت، وتحديداً الواجهة البحرية في منطقة ضبيه، بعدما جال على 157 مدينة حول العالم العام الماضي.
تشرح سمر معلوف، إحدى الأعضاء المؤسسين المشاركين في شركة Uf Concept، أن هذا الحدث "ليس من اختراع الشركة إنما هو حدث عالمي حصلنا على رخصته للمرة الأولى في العالم العربي". ترفض معلوف اعتبار الكعب العالي رمزاً للمرأة، إنما هو تطبيق حرفي لمقولة "ضع نفسك في حذاء الآخر". الهدف من الحدث هو "التوعية إلى مخاطر العنف الأسري والحلول المرتبطة بهذه القضية الاساسية في المجتمع، باستخدام وسيلة سلمية و"مهضومة" على أن يعود ريع النشاط إلى إحدى المنظمات التي تحارب العنف". تقول معلوف إن "الشركة اختارت منظمة "كفى" بسبب عملها الفعّال في هذا الإطار إضافة إلى كونها من المنظمات المشهورة التي يمكنها أن تستقطب الناس". لا تقتصر المشاركة في الحدث على الرجال إنما يمكن للنساء أيضاً أن يشاركن إنما من دون كعب عالٍ. تعلن معلوف انه خلال المسيرة ستقوم منظمة "كفى" بتوزيع مناشير عن العنف الأسري وستخبر المشاركين عن قانون العنف الأسري ما سيخلق نقاشاً بين المشاركين، كما ستشارك فرقة راب في الغناء عن الموضوع نفسه.
حتى اليوم، تتحدث معلوف عن بيع 300 حذاء نسائي مصنّع في لبنان، وهي تعلم مسبقاً أن الأمر يمكن أن يثير لغطاً كبيراً ما يؤدي الى عدم تجاوب الناس مع الفكرة، لكن "العدد الذي أعلن مشاركته أتى أكثر من المتوقع باعتبار أن النشاط يُقام للمرة الأولى". ترى معلوف أن الوسيلة لتحريك الناس هي عبر خلق صدمة إيجابية وهذا هو الهدف من ارتداء الكعب، تقول: "كل شخص لديه طريقة خاصة بالتعبير. هناك أشخاص يفضلون التظاهرات، المؤتمرات، الندوات... لكن هذه طريقتنا والناس يتحمسون لهذه الأفكار أكثر من أن تدعوها لمحاضرة عن العنف مثلاً". الغالبية الكبرى من المشاركين تتراوح أعمارهم بين الـ 15 والـ 25 سنة إذ أظهرت هذه الفئة تجاوباً مع الفكرة أكثر من الفئات الأكبر في العمر. تقول معلوف إن "الشركة طلبت من قوى الأمن المشاركة في الحدث لكنّها رفضت".
ترى المنسقة الإعلامية في "كفى" مايا عمّار أن "لكل شخص طريقته في دعم قضية ما، هذه ليست أساليبنا ولا طريقتنا كمنظمة. لكن أحد الشروط الأساسية لهذا النشاط هو ان يعود ريعه الى منظمة نسوية، اقترحت الشركة الأمر على "كفى" وقبلنا من باب أن الشركة تريد إبداء الدعم والإضاءة على الموضوع وتقديم دعم مادي". وتشدّد عمار على أن "الكعب العالي لا يمثّل المرأة بالتأكيد ولا يرمز إليها إنما الفكرة هي في لفت الانتباه لا أكثر".
يطرح الحدث تساؤلات عديدة تختلف فيها وجهات النظر بين مؤيد ورافض للفكرة. تنطلق أولى هذه التساؤلات من أساس الفكرة التي تقوم عليها هذه التجربة: لماذا اختير الكعب العالي كرمزٍ "حتمي" للمرأة؟ وكيف يمكن لارتداء الرجل للكعب أن يزيد من وعيه عن العنف الذي تتعرض له المرأة؟
عالمياً، يُقسم الحدث الى جزئين: الجزء الاول بعنوان "first you walk the walk"، حيث يسير الرجال بالكعب العالي. أما الجزء الثاني بعنوان "Then You Talk the Talk"، حيث يكون هناك نشاطات خلال المسيرة تدفع المشاركين إلى التحدّث والنقاش في موضوع العنف ضد المرأة وهم يرتدون الكعب ما قد يدفعهم الى تغيير رؤيتهم لبعض الأمور.
يطبّق هذا الحدث بشكل حرفي مقولة غربية مشهورة هي "You can't really understand another person's experience until you've walked a mile in their shoes"، أي أنه لا يمكن أن نشعر بالآخر سوى إذا "سرنا مسافة في حذائه". من هنا تأتي عملية اختيار "الحذاء" كوسيلة لعيش تجربة الآخر. لكن يبقى السؤال: لماذا الكعب العالي؟
يشكّل الكعب العالي بمعناه الباطني (أو على مستوى اللاوعي) عنفاً مستتراً فرضه المجتمع الاستهلاكي الذكوري على المرأة. فهناك إجماعٌ لدى النساء على أن هذا الكعب غير مريح، إلا أنّهنّ يجدن أنفسهنّ "مجبورات" على ارتدائه تماشياً مع "الموضة" التي حدّدت معايير صارمة لـ "الجمال" و"الأنوثة"، هي في الأساس معايير ذكورية، بحيث يكون طول المرأة أحد السمات الرئيسية لجمالها. فتجد المرأة نفسها خاضعة بشكلٍ لا إرادي لهذه المعايير التي يعززها المجتمع الاستهلاكي بدوره عبر شركاته ومؤسساته. أمّا ارتداء الرجل الكعب العالي فقد يكون وسيلة ناجحة لجعله يشعر بالمعاناة التي تعيشها المرأة يومياً.
فالتوجيهات التي تُعطى للرجال أثناء المسيرة عن "كيفية السير بالكعب العالي" تشرح جزءاً من المعاناة: أولاً، أرجع كتفيك إلى الخلف، ارفع صدرك ودع ضهرك مستقيماً، فكّر كأنك مارلين مونرو. ثانياً، ضع قدماً أمام الأخرى برشاقة وحرّك خصرك وذراعيك للمحافظة على توازنك، فكّر كأنك عارضة أزياء. إبقِ قدميك قريبتين فهذا أنيق أكثر ولا تفكر إطلاقاً في المشي على العشب أو الرمل لأنك ستقع حتماً. إذاً ليس من السهل ارتداء الكعب العالي، او بالاحرى، ليس سهلاً تلبس الصورة النمطية- الاستهلاكية المفروضة على المرأة لمسافة ميل فقط. فكيف بالمرأة نفسها التي تُجبر على ذلك كل يوم.
عام 2001 اخترع فرانك برايد الحدث. بدأ الأمر بمجموعة صغيرة من الرجال يرتدون أحذية نسائية في احد المتنزهات ليصبح اليوم حدثاً عالمياً يشارك فيه ملايين الرجال لجمع التبرعات لمراكز محلية مخصصة لعلاج حالات الاغتصاب، العنف المنزلي والتوعية.
(إيفا الشوفي - الأخبار)