تنطلق فعلياً اليوم عملية تأليف الحكومة، بعد الزيارات البروتوكولية التي قام بها على رؤساء الحكومات السابقين، والاستشارات النيابية غير الملزمة التي أجراها الرئيس المكلف تشكيل الحكومة حسان دياب في مجلس النواب. واذا كان لقاءه أمس مع مجموعة من الحراك أثار استياء الشارع، الاّ ان الأنظار لا تزال شاخصة عليه في ظل استمرار الاحتجاجات الشعبية ضده، وسط حذر وترقب دوليين لكيفية التعامل مع الحكومة المقبلة.
مشاورات التأليف: تسهيل المهمة
إلى ذلك، كان لافتاً للانتباه إعلان الرئيس المكلف حسان دياب انه لن يعتذر عن التكليف، وانه ماضٍ في اتصالاته لتشكيل حكومة اختصاصيين مستقلين، وان من يُشكّل الحكومة هو رئيس الحكومة وليس أحداً غيره، ما طرح تساؤلات عن سبب ثقته بنجاح مهمته في تشكيل حكومة، كان قد حدّد لتشكيلها مهلة شهر أو ستة أسابيع، قبل ان يتمنى لاحقاً تخفيض هذا السقف الزمني إلى أقل من ذلك، وعما إذا كان يملك غطاء حزبياً لاطلاق يده في عملية التأليف، لم يتوفر لغيره، أو انه حُجب عن هذا الغير بقصد احراجه لاخراجه من العملية السياسية التي كانت جارية للتأليف قبل التكليف؟
ما ظهر من مواقف في الاستشارات النيابية غير الملزمة في المجلس النيابي عكس ملامح أجواء تهدئة، ربما تكون من باب المناورات، أو ان الرئيس المكلف يملك فعلاً ورقة بيضاء للتصرف بحرية، حيث حرص "حزب الله" ومعه تكتل "لبنان القوي" على إرسال إشارات مطمئنة، عبر عنها رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمّد رعد، وان بنبرة عالية كالمنتصر، ان ليس في ذهن أحد تشكيل حكومة مواجهة أو حكومة من لون واحد، فيما كان هناك تقاطع لافت في مواقف النواب، من خلال إجماع نيابي على المطالبة بأن تكون حكومة اختصاصيين، بخلاف ما كان يتردد قبل التكليف، إذ غابت كلياً عن هذه المواقف عبارة "حكومة تكنو-سياسية"، وكأن هناك كلمة سر بتغييب هذه العبارة، في إشارة إلى تسهيل المهمة بالتزامن مع اتصالات جرت خلال اليومين الماضيين بين القوى السياسية المؤيدة للتكليف، من أجل تسريع عملية التأليف خلال مهلة لا تتجاوز الأسبوعين، استناداً إلى جملة اعتبارات أهمها ان وضع البلد لا يحتمل التأخير نتيجة الظروف المعيشية والاقتصادية والمالية والأمنية الضاغطة، ونتيجة المخاوف من ضغوط إضافية من الداخل والخارج قد تطيح بالأمل الأخير بالخروج من الأزمة الراهنة.
وعلمت "اللواء" ان التوجه هو لإنهاء تشكيل الحكومة خلال اسبوع اواسبوعين على الاكثر، خاصة ان القوى السياسية التي كان الرئيس دياب يعوّل على الاتصال بها للمشاركة في عملية التشكيل اخرجت نفسها من هذه العملية وقررت عدم المشاركة، ما يمكن ان يختصر مزيداً من الوقت، وعليه، ترتقب الاوساط المتابعة للتشكيل ان تبصرالحكومة النور في الاسبوع الاول من الشهر المقبل. وفيما لم تصدر اي معلومات رسمية عن اي تواصل بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف عقب انتهاء الاخير من مشاوراته مع الكتل النيابية وبعض ممثلي الحراك المدني افيد ان تواصلا تمّ، على ان اي لقاء يعقد بينهما وارد في اي لحظة . وقالت مصادر مطلعة لـ"اللواء" ان الموضوع الحكومي وضع على نار حامية والمشاورات تتم سواء سرية او علانية من اجل وضع خارطة الطريق لهذا الموضوع قوامها ما سمعه الرئيس المكلف في مشاوراته ورغبته في تأليف سريع لحكومة الاختصاص تنصرف الى وضع اولويات الاصلاح وانقاذ ما يجب انقاذه.
ولفتت المصادر الى انه من الواضح ان الدكتور دياب يدرك تماما ان الوقت ليس للترف وان مساعيه يراد ان تتكلل بالنجاح خصوصا انه حدد مواصفات الحكومة ويبقى العمل على البحث في كيفية توزيع الحقائب واختيار وزراء نظيفي الكف وذوي الاختصاص كما طالب الرئيس ميشال عون وهو ايضا ما يوافق عليه الرئيس المكلف.
واكدت المصادر ان اتصالات الرئيس المكلف ستتكثف في الايام المقبلة وسيوسع دائرة مشاوراته من اجل وضع ما قاله بعد تكليفه وانهاء مشاوراته في مجلس النواب موضع التنفيذ.
وفي هذا الاطار، كشفت مصادر مطلعة على حركة الرئيس المكلف لـ"نداء الوطن" أنه بات لديه "تصور محدد لحكومته مقرون بلائحة أسماء يعتبرها مناسبة لتولي الحقائب الوزارية"، موضحةً رداً على سؤال أنّ "حديثه عن تمثيل جميع شرائح البرلمان إنما القصد منه هو توزير أسماء تُرضي الأطراف المذكورة من دون أن تكون وجوهاً سياسية".
مهمة هيل
إلى ذلك لاحظت مصادر سياسية مطلعة، ان الأجواء التي أحاطت بالتكليف والمشاورات الجارية للتأليف، ولا سيما زيارة معاون وزير الخارجية الأميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل إلى بيروت، تُشير إلى عدم ممانعة أميركية في تكليف دياب طالما انه يلتزم تشكيل حكومة اختصاصيين او على الاقل لا وجود سياسياً مباشرا ل "حزب الله" فيها. وثمة معلومات لا يزال الغموض يحيطها، مفادها ان الاتصالات بين الجانبين الاميركي والايراني التي جرت مؤخرا برعاية من سلطنة عُمان قد تصل الى نتائج ايجابية تخفف التوتر بين الجانبين في ملفات المنطقة لا سيما في العراق واليمن، والتي كانت تنعكس سلباًعلى لبنان، وان هذا الجو الايجابي انعكس على لبنان فجرى اختيار حسان دياب في تقاطع محلي – اقليمي – دولي، وجاء هيل ينقل الى المعنيين الموقف الاميركي الذي أعلن من عناوينه في تصريحاته. عدا عن ان جانباً اساسياً من لقاءات هيل الذي غادر بيروت أمس، بعد لقاءات مع الوزير باسيل وقائد الجيش العماد جوزاف عون ورئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، ركزت على موضوع ترسيم الحدود جنوباً واستخراج النفط والغاز من البحر، وعلى الوضع الاقتصادي. وتردد انه طرح ايضا موضوع العميل الموقوف عامر الفاخوري الذي يحمل الجنسية الاميركية، فكان الجواب اللبناني ان الفاخوري غيرمحكوم بعد وانه يجب انتظار ما سيقرره القضاء خلال محاكمته. اضافة الى انه جرى طرح موضوع النزوح السوري وتأثيراته على لبنان وامكانيات الدعم الدولي للبنان لتخفيف حدة وانعكاسات هذه الازمة.
وذكرت مصادر اطلعت على جانب من لقاءات هيل انه ابلغ بعض من التقاهم، "ان الادارة الاميركية مستعدة لدعم حكومة دياب اذا تم تشكيلها من اختصاصيين مستقلين وغير مثيرين للجدل، وكانت حكومة توحي بالثقة وتوفر الاستقرار السياسي وتعالج الازمة الاقتصادية وفق برنامج واضح، وان الاميركيين غير معنيين بالاسماء".
في المقابل، نقلت مصادر سياسية مطلعة على أجواء زيارة المبعوث الأميركي السفير ديفيد هيل لـ"نداء الوطن" أنه "أبلغ المسؤولين الذين التقاهم في بيروت أن لا مساعدات أميركية لأي حكومة يتمثل فيها "حزب الله" مباشرةً أو من وراء الستار، وأنّ واشنطن ليست في وارد إعطاء أي "كلمة سر" لدول الخليج لتقديم المساعدة إلى لبنان"، وكشفت أنّ "هيل أوصل رسالة قاسية تتعلق بتموضع لبنان في المنطقة موضحاً للمسؤولين اللبنانيين أنّ أي انحياز في هذا المجال سيكون غير مقبول وستدفعون ثمنه، مع تأكيده أنّ العقوبات الأميركية على "حزب الله" وطهران مستمرة وأنّ على الدولة اللبنانية أن تنأى بنفسها عن الحزب".
وإذ جدد التشديد على أنّ بلاده "لا تريد التدخل لا في مسألة تشكيل الحكومة ولا بالشخص المكلف رئاستها لكنها تنتظر لمعرفة مدى تأثير "حزب الله" عليها"، أفادت المصادر نفسها أنّ "هيل لفت الانتباه في المقابل إلى أهمية ثورة 17 تشرين بوصفها فاتحة تغيير وبالتالي من الضروري التجاوب مع مطالبها وعدم تجاوز إرادة الناس، مشيراً إلى كون المؤسسة العسكرية تبقى أساسية بالنسبة للولايات المتحدة والمساعدة الأميركية لها مستمرة باعتبار ان واشنطن لا تزال تعتبرها مؤسسة ضامنة حتى إشعار آخر".
وأكدت في هذا الاطار، معلومات "نداء الوطن" التي تحدثت عن أن دياب سيحاول طرح أسماء سنّية ترضي جمهور "المستقبل" ومنها اقتراح تولي ضابط رفيع متقاعد وزارة "الداخلية".