لا تكاد تنتهي فصول قصص عائلات اللاجئين السوريين، لتبدأ فصول اخرى تفوقها مأساوية وفظاعة، مشاهد لا يمكن ان تختصر في سطور، وقصص كان لا بد ان يكون فيها ابطالاً يموتون ويضحون في سبيل الآخرين، مراهنين على القدر، الذي أما أن يقف الى جانبهم أو ان يساهم في دفن احلامهم بعيدا عن وطن مزقته الحروب.
نبيل الكايد من دمشق- بلدة الدويلعة، اختار وزوجته ان يشقا درباً بعيدا عن سوريا، فاتفقا على ان يسبق العائلة الى احدى الدول الاوروبية، فوقع الاختيار على المانيا بسبب وجود شقيقه وشقيقته فيها، عل القرابة تزيد فرصته في الحصول على اقامة دائمة هناك، ولتأمين حياة هانئة له ولعائلته في حضن دولة تأخرت في فتح ابوابها لاستقبال اللاجئين.
استغرقت رحلة نبيل الى المانيا اكثر من ثلاثة أشهر، فهو قد سافر الى تركيا ومن ثم ركب موج العبارات الغير شرعية التي غالباً ما تصل سالمة بمن فيها، تاركاً زوجته جويل وابنه الياس وابنتاه اليسا وايلينا في سوريا.
جويل من أصل لبناني رفضت الخروج من البلدة بسبب ابنائها، وأبت ان تهرب بأولادها الى زحلة حيث تقطن عائلتها كي تفسح المجال امام أولادها باكمال عامهم الدراسي، وخوفاً من رسوب ابنها الياس 14 عاما في المنهاج اللبناني الذي يختلف عن المنهاج السوري في صفوف الشهادة المتوسطة، وهو كان من المتفوقين.
شهادة البريفيه لـ"الياس" كانت الاهم بالنسبة لـ"جويل" لكن للتضحية ثمن دفعته الام عن اولادها، ففي الحادي عشر من ايلول الفائت، سقطت قذيفة امام منزلهم في الدويلعة وقضت الوالدة (جويل) هي وأربعة أشخاص من عائلة زوجها تواجدوا في المكان.
ويروي الياس الابن، كيف سقطت القذيفة خارج دار منزلهم، وكانت والدته مختبئة خلف مدخل البيت الرئيسي، وكيف اخترقت الشظايا جسدها، بعد أن كانت قد طلبت منهم الصعود الى الطابق العلوي للمنزل برفقة عمتهم عند بدء القصف خوفاً عليهم، وبعد سقوط القذيفة نزل الياس وعمل على سحب والدته خوفاً من احتراقها ظناً منه انها ما زالت على قيد الحياة، لكنها كانت قد فارقت الحياة. اما العمة فقد عملت على وضع المناشف المبللة على وجوه الاولاد ككمامات كي يستطيعوا التنفس جراء الغبار الذي نتج عن القصف.
لم يطل الامر حتى علم الياس ان والدته توفيت، وانه اصبح وشقيقاته يتامى فبكوا بكاء مريراً. بعدها دفنت جويل في سوريا. وتم نقل الثلاثة (الياس، اليسا وايلينا)الى منزل جدتهم في زحلة.
قساوة القصة لم تثن الياس عن سرد قصة وفاة والدته حتى النهاية، فيغص تارة ويلملم نفسه تارة اخرى، اما البسمة البريئة فلم تفارق محيا الاطفال الثلاثة لتضيف براءة على براءة.
في بادئ الامر رفض الياس الغوص في الكلام، فعزة نفسه منعته من التداول بالشرخ الذي حصل لعائلته، فقال: "انا لا اريد ان اتكلم عن قصتنا، فنحن لا نريد ان نستعطي المال، لكننا نريد ابي ولنزيل همنا عن جدتنا التي هي مريضة وخاصة بعد تأثرها بموت والدتي كثيرا، نريد اللحاق بوالدنا الذي هاجر الى المانيا وسبقنا لانه لم يبق لدينا احد سواه بعد فقداننا لوالدتنا".
انا لا اطلب سوى ان ترأف بنا السلطات الالمانية، وتساعدنا لرؤية والدنا، وانا اناشد السفارة الالمانية في لبنان، وعلى الرغم من كوننا نحمل الجنسية السورية، التوسط لدى حكومتها بفتحها الباب أمامنا، فنحن هنا لا ينقصنا شيء، بعد ان حصلنا على اقامة شرعية في لبنان لمدة عام كون امي من اصل لبناني، لكننا نريد والدنا لقد اشتقنا اليه كثيرا، وهو الوحيد الذي بقي لنا بعد موت امي، وقد اخبرنا منذ يومين انه استطاع الحصول على موافقة المحكمة العلوية اﻹتحادية اﻹلمانية بصفة ﻻجىء.
اما اليسا ابنة العشرة اعوام، تحاول جاهدة ان تبقى قوية امام اخوتها، لكن الحزن يبدو واضحا في عينيها، بعد ان شعرت انها الآن اصبحت اما لشقيقتها الصغرى ايلينا. اما الصغيرة فلا تكل من السؤال عن والدتها وتقول: "انا كل يوم بشوف الماما بمنامي". فعندما اناديها قبل النوم تأتيني ليلا وتجهش باكية.
لم يبق ل الياس وشقيقاته سوى انتظار اشارة من والدهم، كي يبدأوا رحلتهم الجديدة، فهم لم يتسجلوا في اي من المدارس اللبنانية لهذا العام كباقي السوريين، بعد ان لمسوا بصيص امل باللحاق بوالدهم.
عسى الايام القادمة ان تحمل لهؤلاء الملائكة الثلاثة، خبرا يفرح قلوبهم ويثلج صدر والد ينتظر بفارغ الصبر ضم ابنائه الثلاثة ليعيد لم شمل عائلة دمرتها مآسي الحروب.