ظاهرة التسوّل والتوسّل آخذة بالإتساع في لبنان، وبات من النادر أن يقصد أي مواطن مؤسسةً حكومية أو مستشفى أو ساحة عامة من دون أن يستقبله المتسوّلون عند الأبواب، بأساليبهم المبتكرة التي تستدرّ العطف وتستجلب العطاء.
هذه الإشكالية الاجتماعية باتت أمرًا ملحًا يحتاج وضع آليات لمعالجته، فقضية "الشحادة" أصبحت مثل قصة "الثعلب والراعي"، فأحيانًا يضطر إنسان للجوء إلى وسيلة التوسّل إلى الناس لمساعدته، بعد انقطاع أي مصدر رزق ومواجهته للأبواب الموصدة، لكنّ الثقة به ستكون مفقودة من قبل معظم المواطنين.
في جديدة حوادت التسول، امرأة تُدعى نجاة حمود، يعرفها روّاد شارع الحمرا، تفترش "كرتونة" وتجلس عليها، وغالبًا ما تختار مكانها أمام مدخل مستشفى الجامعة الأميركية، وتطلب من الناس المساعدة.
اللافت بحمود أنها تعلّق ورقة كُتب عليها "أنا عمياء أرجوكم ساعدوني". من علّق لها هذه الورقة، ومن كتب عليها، وهل هي تشحذ أو "يُشحدُ عليها". سألناها عن أمرها، فقالت إنّ زوجها قُتل بغارة إسرائيلية على طريق المطار خلال حرب تموز 2006، وأنّ لديها ولدان، وهي تسكن معهما في البسطة بشقة تدفع إيجارها 250 ألف ليرة لبنانية شهريًا، وأنها كانت تعمل في أحد مراكز التسوّق في بيروت، لكنها تعرّضت لحادث صدم أفقدها بصرها، ولفتت إلى أنّ طبيبًا مختصًا بجراحة العيون في صيدا قال لها إنّه يتكفّل بزرع قرنية لها في عينها اليسرى كي تستعيد نظرها لكنّ عينها اليمنى أصبح من الصعب علاجها، ولفتت إلى أنّ الطبيب يريد فقط ثمن القرنية التي سيزرعها وهو 300 دولار أميركي.
تستطرد حمود بالقول إنّها طرقت أبواب بعض الوزارات ولم يساعدها أحد. سألنا بائع ورود في المنطقة عنها فقال إنّه يراها منذ فترة لكن لا يعلم تفاصيل عنها، فيما كشف شاب يعمل في محلّ قريب في المنطقة إنّها ليست كفيفة كليًا ولكن لديها مشكلة كبيرة في النظر.
وعمّن كتب لها الورقة التي تضعها لتستعطف المارّة، قالت إنّ أحد الأطباء في مستشفى الجامعة كتبها لها لكي يساعدها، وهي لا تعرف إلا إسمه الأول.
قضية السيدة حمود وأقرانها من المستولين، الحقيقيين والمزيفين، برسم المعنيين، من وزارة الشؤون الاجتماعية إلى الجمعيات والمؤسسات المدنية المختصة، فإذا كانت المرأة صادقة لا بدّ من مساعدتها لاستكمال علاجها، وإذا كانت تخبئ قصّة أكبر وراءها من فصول التسوّل، فتبقى أيضًا قضية تحتاج حلولاً جذرية.